نساء أولاد نايل بين الرقص والدعارة وعدسة الاستعمار.. حين تحول الجسد الجزائري إلى “فرجة” تباع للأوروبيين

مديحة المهادنة
خبر_لا يقدم كتاب “Le Voyage amoureux: Beautés orientales, Ouled-Naïls, Courtisanes, 1870-1960” للفرنسية نيكول كانيه مجرد ألبوم لصور نساء من زمن مضى. فقسمه المخصص للجزائر يفتح نافذة على مرحلة شديدة التعقيد، اختلط فيها الرقص بالفقر، والجنس بالسياحة، والصورة الفوتوغرافية بالاستعمار، قبل أن تتحول نساء، وخصوصا من ارتبط اسمهن بـ”أولاد نايل”، إلى واحدة من أكثر الصور التي استثمرتها المخيلة الأوروبية عن الجزائر.
الكتاب الصادر سنة 2010 يقع في نحو 328 صفحة ويضم قرابة 300 صورة، ويمنح الجزائر حيزا واسعا في بدايته؛ من “الجزائر البيضاء”، إلى أولاد نايل، ثم بوسعادة وبسكرة والرقصات التقليدية. ويبدأ القسم الجزائري في الصفحة 13، بينما لا ينتقل الكتاب إلى تونس إلا ابتداء من الصفحة 129، ما يجعل الجزائر أحد محاوره الأساسية.
لكن قوة هذه الصور لا تكمن فقط فيما تظهره، بل أيضاً في الطريقة التي اختار بها الأوروبي أن يرى المرأة الجزائرية.
ففي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أصبحت بوسعادة وبسكرة محطتين أساسيتين في المخيال السياحي والاستشراقي الأوروبي. كانت العدسات تبحث عن المرأة بالحلي الثقيلة، والثياب المميزة، والشعر المكشوف، والرقص، والنظرات الموجهة نحو الكاميرا. ومع تزايد الطلب الأوروبي على هذه الصور، لم تعد المرأة موضوعا اجتماعيا له سياقه وحياته الخاصة، بل تحولت تدريجياً إلى صورة قابلة للبيع: بطاقة بريدية، صورة تذكارية، جسد غريب ومثير بالنسبة إلى المتلقي الأوروبي.
وهنا تبرز أولى الإشكالات التي يكشفها هذا الأرشيف: الخلط بين الراقصة، والفنانة، والمرأة التي تقيم علاقات جنسية مقابل المال، والمرأة المنتمية فعلا إلى أولاد نايل.
الدراسات التاريخية حول الظاهرة تؤكد أن تسمية “أولاد نايل” تحولت في الخطاب الاستعماري، مع مرور الوقت، إلى تصنيف فضفاض، حتى صار يطلق أحيانا على نساء لا ينتمين أصلا إلى المجموعة القبلية. الباحثة الجزائرية برخوم فرحاتي بيّنت أن صورة “الراقصة-البغي من أولاد نايل” كانت في جزء كبير منها بناءً استعمارياً اختزل واقعا اجتماعيا أكثر تعقيدا في صورة واحدة سهلة الاستهلاك.
قبل إخضاعهن للمنظومة الاستعمارية الصارمة، كانت بعض هؤلاء النساء يعملن في الرقص والغناء والاستضافة، وقد توجد ضمن هذا العالم علاقات جنسية مدفوعة وفق ترتيبات اجتماعية واقتصادية مختلفة. لكن الاستعمار الفرنسي أعاد تصنيف هذه الممارسات داخل مفهوم أوروبي موحد هو “الدعارة”، وأخضع النساء لمنظومة بوليسية وصحية وإدارية صارمة.
منذ السنوات الأولى للاحتلال الفرنسي، وضعت السلطات الاستعمارية الدعارة تحت الرقابة. أصبح تسجيل النساء لدى شرطة الأخلاق، وإخضاعهن للفحوص الطبية ومراقبة تحركاتهن جزءا من نظام رسمي هدفه المعلن الحد من الأمراض التناسلية، لكنه أدى عملياً إلى وضع أجساد النساء تحت رقابة الإدارة الاستعمارية. وتشير أبحاث المؤرخة كريستيل تارو إلى أن هذا النظام لم يكتف بتنظيم الدعارة، بل أعاد تشكيلها وتركيزها في بيوت وأحياء محددة، وجعل النساء أكثر خضوعاً لسلطة الشرطة والأطباء وأصحاب البيوت والوسطاء.
المفارقة الأكثر قسوة أن الاستعمار تعامل مع المرأة في اتجاهين متناقضين في الوقت نفسه: يراقب جسدها باسم الأخلاق والصحة، ثم يعرض الجسد نفسه للسائح بوصفه جزءاً من “سحر الشرق”.
ومع صعود السياحة، خصوصا في بوسعادة وبسكرة، تحولت الراقصة إلى عنصر من عناصر العرض السياحي. لم يعد الرقص مجرد ممارسة مرتبطة بسياق اجتماعي محلي، بل أصبح أداءً يُعاد تشكيله لكي يناسب انتظار الزائر الأوروبي. وتصف دراسات أكاديمية هذه العملية بـ”الفلكلرة”: تحويل المرأة ورقصها وملابسها إلى مشهد نمطي معدّ للاستهلاك السياحي.
والصورة الفوتوغرافية لعبت دورا مركزيا في ذلك
الصور التي يجمعها كتاب نيكول كانيه التقطها مصورون أوروبيون معروفون، من بينهم إميل فريشون وجان غايزر وألكسندر لورو ونيوردان وغيرهم. بعضها وثائقي، لكن جانبا كبيرا منها ينتمي إلى عالم التصوير الاستشراقي الذي كان يبحث عن “المرأة الشرقية” كما تخيلها الأوروبي: غامضة، متاحة للنظر، مثيرة، بعيدة عن القيود التي تحكم المرأة الأوروبية في ذلك الزمن.
بل إن الطريقة التي يسوق بها الكتاب نفسه تكشف استمرار شيء من هذه النظرة؛ فالنص التعريفي يستعمل لغة شديدة الإيروتيكية في الحديث عن النساء، ويقدم “الشرق الأوسط “باعتباره فضاء للرغبة والمتعة، بدل التعامل مع هؤلاء النساء فقط باعتبارهن شخصيات تاريخية عشن ظروفاً اجتماعية واقتصادية محددة.
صورة المرأة الجزائرية في تلك الحقبة لم تكن مجرد ذكرى يحملها السائح معه إلى أوروبا. لقد أصبحت سلعة ثقافية. كانت البطاقات البريدية والصور تنقل إلى باريس ومدن أوروبا نموذجا جاهزا عن الجزائر: امرأة محجبة حينا، نصف عارية حينا آخر، راقصة أو في مشهد مصمم ليؤكد فكرة أن المستعمَرة أرض غريبة ومفتوحة أمام رغبات الرجل الأوروبي.
وهنا تتجاوز المسألة تاريخ الدعارة لتصبح جزءا من تاريخ السيطرة الاستعمارية نفسها؛ السيطرة على الأرض، وعلى السكان، ثم على الطريقة التي يصور بها هؤلاء السكان ويُقدمون إلى العالم .





