بعد أكثر من ثلاثة عقود على وقف التنفيذ.. مطالب حقوقية بإلغاء الإعدام في المغرب

إعلام تيفي/ بلاغ

جددت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان مطالبتها بالإلغاء النهائي لعقوبة الإعدام من التشريع الجنائي المغربي، داعية السلطات العمومية والمؤسسة التشريعية إلى الانتقال من وقف تنفيذ هذه العقوبة، المعمول به منذ سنة 1993، إلى إلغائها بشكل صريح ونهائي، بما يضمن حماية الحق في الحياة وتعزيز ملاءمة المنظومة القانونية الوطنية مع الالتزامات الحقوقية الدولية.

وأوضحت العصبة، في بيان بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، الذي يصادف العاشر من أكتوبر من كل سنة، أن استمرار احتفاظ التشريع المغربي بهذه العقوبة، رغم توقف تنفيذ أحكامها لأكثر من ثلاثة عقود، يعكس، بحسب موقفها، تناقضا بين الممارسة القضائية والتنفيذية من جهة، والإطار القانوني الذي لا يزال يسمح بإصدار أحكام بالإعدام من جهة أخرى.

واعتبرت الهيئة الحقوقية أن المرحلة الحالية تقتضي حسم هذا الملف تشريعيا، مستندة في ذلك إلى مقتضيات الفصل العشرين من الدستور المغربي، الذي ينص على أن الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، وأن القانون يحمي هذا الحق.

كما شددت على أن حماية المجتمع وإنصاف الضحايا ومساءلة مرتكبي الجرائم لا تستلزم، وفق تصورها، الإبقاء على عقوبة تنهي حياة المحكوم عليهم بصورة يتعذر معها تدارك أي خطأ قضائي محتمل.

وفي السياق ذاته، سجلت العصبة أن المغرب صوت، في دجنبر 2024، لصالح قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام عالميا، معتبرة أن هذا الموقف الدبلوماسي ينبغي أن ينعكس على التشريع الوطني من خلال إصلاحات قانونية ملموسة تفضي إلى الإلغاء النهائي لهذه العقوبة.

كما توقفت عند المقتضيات المرتبطة بتعديل قانون المسطرة الجنائية لسنة 2025، ولا سيما المادة 430 المتعلقة باشتراط إجماع قضاة هيئة الحكم للنطق بعقوبة الإعدام وتوثيق هذا الإجماع في محضر خاص للمداولة.

وفي هذا الصدد، أكدت أن تعزيز الضمانات القضائية، على أهميته، لا يحسم الإشكال الحقوقي المرتبط باستمرار العقوبة، مشيرة إلى أن الإجماع القضائي لا يستبعد بصورة مطلقة احتمال وقوع أخطاء في الأحكام.

وأثارت العصبة، في بيانها، مسألة احتضان المغرب مؤتمرا عالميا مقبلا لمناهضة عقوبة الإعدام بمدينة مراكش، معتبرة أن هذه الخطوة، في حال تأكد ترتيباتها، تضع المملكة أمام مسؤولية سياسية وحقوقية لتعزيز انسجام مواقفها الدولية مع تشريعاتها الوطنية، من خلال الانتقال إلى إلغاء العقوبة بدل الاكتفاء بوقف تنفيذها.

ودعت الهيئة إلى إدراج إلغاء عقوبة الإعدام ضمن إصلاح شامل للسياسة الجنائية، يقوم على احترام الكرامة الإنسانية وتعزيز استقلال القضاء وضمان المحاكمة العادلة وتكافؤ فرص الولوج إلى العدالة، مع اعتماد عقوبات بديلة تتناسب مع خطورة الأفعال المرتكبة وتحافظ على أمن المجتمع دون المساس بالحق في الحياة.

وحذرت العصبة من تأثير الاعتبارات السياسية والانتخابية وضغوط الرأي العام، خصوصا عقب الجرائم التي تثير استياء واسعا، على القرارات التشريعية المرتبطة بالحقوق الأساسية، مشددة على ضرورة حماية المبادئ الدستورية والحقوقية من منطق الاستجابة للانفعالات الآنية.

كما نبهت إلى ما تثيره العقوبة من إشكالات تتعلق بالتفاوت الاجتماعي في الولوج إلى الدفاع القانوني الفعال، ومدى استفادة المتهمين، خصوصا المنتمين إلى الفئات الهشة، من ضمانات العدالة على قدم المساواة.

وعلى المستوى الدولي، عبرت العصبة عن قلقها إزاء استمرار تنفيذ أحكام الإعدام في عدد من الدول، إلى جانب التوجهات الرامية إلى توسيع نطاق الجرائم المعاقب عليها بهذه العقوبة.

كما أعلنت رفضها لأي تشريعات أو إجراءات تستهدف تطبيق الإعدام في حق الأسرى الفلسطينيين، وانتقدت التوسعات التشريعية التي أشارت إلى أنها شهدتها الجزائر خلال الأسابيع الماضية، معتبرة أنها تثير مخاوف بشأن حماية الحق في الحياة ومبدأ عدم التمييز في تطبيق القانون الجنائي.

وأكدت الهيئة الحقوقية أن الدفاع عن الحق في الحياة يقتضي رفض عقوبة الإعدام بصرف النظر عن الدولة التي تصدرها أو تنفذها، بعيدا عن الحسابات السياسية أو الانتقائية في التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان، داعية إلى احترام الضمانات التي يكفلها القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان لجميع الأشخاص المحرومين من حريتهم.

وفي ختام بيانها، طالبت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بالإلغاء النهائي والصريح لعقوبة الإعدام من التشريعات الجنائية العادية والعسكرية، في زمن السلم والحرب، وإعلان وقف رسمي ودائم لتنفيذ أحكامها إلى حين استكمال الإلغاء التشريعي.

كما دعت إلى المصادقة على البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام، ومراجعة أوضاع المحكوم عليهم بها، مع استبدال أحكامهم بعقوبات سالبة للحرية تتناسب مع الجرائم المرتكبة.

وشملت مطالب العصبة أيضا إطلاق نقاش وطني مؤسساتي تشارك فيه السلطات التشريعية والقضائية والمؤسسات الوطنية والمنظمات الحقوقية والجامعات ووسائل الإعلام، إلى جانب تعزيز المساعدة القانونية وضمانات المحاكمة العادلة، والانخراط بصورة أكثر فاعلية في المبادرات الدولية المناهضة لعقوبة الإعدام.

وختمت العصبة بالتأكيد على ضرورة تحويل المطالب الحقوقية المتجددة بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام إلى خطوات تشريعية واضحة، معتبرة أن إلغاء هذه العقوبة من شأنه أن يشكل، وفق موقفها، تعبيرا عمليا عن احترام الحق في الحياة وتعزيز الالتزامات الحقوقية للمغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى