المغرب الذي لا يغيب عن شاشات الجزائر.. ماذا تخفي الضوضاء خلف الحدود؟

مديحة المهادنة
تحول المغرب إلى مادة شبه دائمة في الخطاب الإعلامي لبعض المنابر الجزائرية، التي لا تكاد تنتهي من اتهام حتى تنتقل إلى آخر، في تغطيات تتصدرها لغة التصعيد والتشكيك، بينما تتراجع إلى الخلفية ملفات داخلية ثقيلة، تتعلق بالبطالة والاقتصاد والقدرة الشرائية والحريات العامة. مشهد إعلامي يطرح تساؤلات بشأن أولويات الصحافة الجزائرية، وحدود استقلاليتها، وقدرتها على مساءلة الواقع الداخلي بالحدة نفسها التي تتناول بها أخبار الجار المغربي .
وجاء إعلان السلطات الجزائرية توقيف 61 مواطنا مغربيا، بدعوى التحضير لأعمال تخريبية تستهدف الأمن والنظام العام، ليقدم نموذجا جديدا لهذه المعالجة. فقد سارعت وسائل إعلام جزائرية إلى إبراز الاتهامات الواردة في البيان الأمني الصادر في 11 أكتوبر 2026، وتقديم القضية بعناوين تضع الجنسية المغربية في الواجهة، رغم أن الاتهامات لا تزال في إطار الإجراءات القضائية، ودون عرض أدلة مستقلة تتيح التحقق من صحتها.
وتكمن خطورة هذا التناول في الانتقال من نقل المعطيات الأمنية إلى تكريس صورة سلبية عن بلد بأكمله، وتغييب المسافة المهنية الضرورية بين الاتهام والإدانة. فالصحافة التي يفترض أن تتحقق من الروايات الرسمية وتخضعها للمساءلة، تفقد جانبا من وظيفتها الرقابية عندما تتحول إلى مجرد امتداد للخطاب الأمني.
وفي الوقت الذي يستحوذ فيه المغرب على اهتمام هذه المنابر، تواجه الجزائر تحديات اقتصادية واجتماعية توثقها تقارير المؤسسات الدولية. فقد بلغت بطالة الشباب 29.4 في المائة خلال سنة 2025، وفق تقديرات منظمة العمل الدولية المنشورة عبر البنك الدولي، وهي نسبة تعكس صعوبات الاندماج المهني لفئة واسعة من الشباب، رغم الإمكانات الطبيعية والمالية التي تتوفر عليها البلاد.
وتزداد المفارقة وضوحا أمام التحذيرات الصادرة عن صندوق النقد الدولي في شتنبر 2026، بشأن استمرار العجز الكبير في المالية العمومية، وتزايد الدين الحكومي، وتراجع الاحتياطيات الخارجية، ومخاطر الاعتماد على عائدات المحروقات. وهي اختلالات تفرض نقاشاً اقتصادياً معمقاً ومساءلة مستمرة للسياسات العمومية، بعيداً عن تحويل الاهتمام الإعلامي إلى الخصومات الخارجية.
أما واقع الإعلام الجزائري نفسه، فيكشف جانبا آخر من هذه المفارقة. فقد تراجعت الجزائر إلى المرتبة 145 عالمياً من أصل 180 دولة في تصنيف حرية الصحافة لسنة 2026، وفق منظمة مراسلون بلا حدود، التي رصدت استمرار التضييق على الصحافة المستقلة، وملاحقة صحافيين، وحجب مواقع إخبارية. وهي معطيات تثير تساؤلات بشأن قدرة بعض المنابر على ممارسة النقد تجاه السلطة، في مقابل اندفاعها إلى تبني الخطاب التصعيدي ضد المغرب.
وهنا تبرز أزمة أعمق من مجرد اختلاف في التوجهات التحريرية؛ إذ تصبح الأخبار المتعلقة بالمغرب مجالا مفتوحا للتصعيد، بينما تستوجب القضايا الداخلية، بما تحمله من تداعيات مباشرة على حياة المواطنين الجزائريين، القدر نفسه من المتابعة والتدقيق والمحاسبة.
فالمهنية الصحافية لا تقاس بحدة العناوين ولا بكثافة الاتهامات، وإنما باستقلالية المعالجة والقدرة على مساءلة جميع الأطراف، وفي مقدمتها المؤسسات المسؤولة عن تدبير الشأن العام.
وفي المقابل، يواصل المغرب تنفيذ أوراشه التنموية وتعزيز موقعه الاقتصادي والاستثماري، رغم التحديات الاجتماعية والمجالية التي لا تزال مطروحة، ضمن مسار وطني لا تحدده الحملات الإعلامية ولا تتحكم في أولوياته الخصومات السياسية.
ويبقى التمييز ضروريا بين خطاب بعض وسائل الإعلام الجزائرية والشعب الجزائري، الذي تجمعه بالشعب المغربي روابط التاريخ والجغرافيا والقرابة، ولا يمكن اختزال تطلعاته في خلافات سياسية أو حملات إعلامية عابرة .
أما المفارقة الأكثر دلالة، فتتمثل في أن المغرب، الذي تتسابق بعض الشاشات الجزائرية إلى استحضاره في نشراتها، يواصل حضوره بمشاريعه وتحولاته، في حين تظل الأسئلة المتعلقة بأوضاع الجزائر قائمة، مهما ارتفعت حدة الخطاب الموجه إلى الخارج. فالإعلام يستطيع أن يملأ الشاشات بأخبار الجار، لكنه لا يستطيع أن يجعل الأرقام الاقتصادية والاجتماعية تختفي، أو أن يعوض غياب المساءلة بضجيج الاتهامات .





