دراسة لبنك المغرب ترصد مكاسب محدودة للدرهم الرقمي وتحذر من التضخم

أميمة حدري
خلصت دراسة اقتصادية أنجزها باحثون ببنك المغرب إلى أن اعتماد الدرهم الرقمي قد يحقق مكاسب محدودة للاقتصاد الوطني، من خلال تحسين كفاءة الأداءات وتعزيز السيولة المتاحة للأسر والمقاولات، مقابل ضغوط تضخمية مؤقتة وتحديات مرتبطة بتمويل القطاع المصرفي، مؤكدة أن هذه العملة لن تكون بديلا عن أدوات السياسة النقدية، ولن تشكل حلا كافيا لمعالجة الإقصاء المالي.
وتندرج هذه الخلاصات ضمن ورقة بحثية أعدها مايكل كومهوف، الذي كان يشتغل ببنك إنجلترا وقت إنجاز الدراسة، إلى جانب محمد ميكو، رئيس وحدة البحث المالي ببنك المغرب، وياسين سلاوي، الاقتصادي الباحث بالمؤسسة ذاتها، بدعم من وزارة الخارجية والتنمية البريطانية، وفي إطار تعاون بين بنكي المغرب وإنجلترا.
واعتمد الباحثون نموذجا اقتصاديا مفصلا يحاكي مختلف مكونات الاقتصاد المغربي، بما فيها الأسر والشركات والمصارف والمالية العمومية والبنك المركزي والقطاع الخارجي، بهدف قياس انعكاسات إصدار العملة الرقمية على النمو والأسعار والأرصدة المالية، استنادا إلى معطيات مرتبطة بخصوصيات الاقتصاد الوطني.
ويقوم النموذج على التمييز بين الأسر التي تتوفر على حسابات مصرفية وإمكانية الحصول على القروض، وتلك التي تعتمد على النقد ولا تستفيد من الخدمات المصرفية بالقدر نفسه.
ووفق المعطيات الواردة في الدراسة، لا يتجاوز معدل امتلاك الحسابات البنكية 54 في المائة من المغاربة، ما يجعل الفئة غير المتعاملة مع الأبناك تمثل 46 في المائة.
ويربط الباحثون بين محدودية وسائل الأداء المتاحة لبعض الأسر وارتفاع كلفة إنجاز المعاملات، معتبرين أن نقص السيولة المتوفرة قد يحد من القدرة على الاستهلاك، وهو ما يصطلح عليه بـ”ضريبة النقد”.
وفي هذا السياق، جرى إدراج الدرهم الرقمي ضمن النموذج باعتباره وسيلة إضافية للأداء، لا تدر فوائد، ويجري إصدارها مقابل تمويل يقدمه البنك المركزي للمصارف.
وبحسب السيناريو الذي اختبرته الدراسة، فإن بلوغ حجم العملة الرقمية ما يعادل 6.6 في المائة من الناتج الداخلي الخام قد يؤدي إلى تراجع حيازة الأسر من النقد بـ5.6 نقاط، وانخفاض الودائع بـ10.6 نقاط.
وفي المقابل، يمكن أن ترتفع السيولة الفعلية بأكثر من واحد في المائة، وبنحو 1.5 في المائة لدى الأسر غير المصرفية والمقاولات.
وتشير التقديرات نفسها إلى أن اعتماد الدرهم الرقمي قد يخفض “ضريبة النقد” بنحو 15 في المائة فور إطلاقه، وبقرابة 30 في المائة بعد مرور بضع سنوات، بما يدعم الاستهلاك والإنتاج.
وعلى المدى البعيد، قد يرتفع الناتج الداخلي الخام بنحو 0.7 في المائة، فيما يتراوح النمو الإضافي المتوقع بين 0.1 و0.2 في المائة سنويا خلال السنوات الأولى.
غير أن هذه المكاسب المحتملة تظل مرتبطة بكلفة انتقالية، إذ تتوقع الدراسة ارتفاع التضخم الأساسي بـ0.4 نقطة، والتضخم العام بـ0.55 نقطة عند إطلاق العملة الرقمية، إلى جانب تراجع الدرهم بـ0.9 نقطة، وفق السيناريو المعتمد.
وقد تدفع هذه التطورات البنك المركزي إلى رفع سعر الفائدة الحقيقي بشكل مؤقت، بينما قد تضطر الدولة إلى زيادة الضرائب خلال فترة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات لتغطية كلفة الدين، قبل أن يتيح انخفاض أسعار الفائدة تقليصها بنحو 0.6 نقطة.
وفي ما يتعلق بالتأثير على أسعار الفائدة الحقيقية على المدى البعيد، تقدر الدراسة الانخفاض بأربع نقاط أساس فقط، وهو مستوى أقل من المتوقع في اقتصادات متقدمة، بالنظر إلى الوزن الذي يحتله النقد الورقي في المغرب ضمن وسائل الأداء التي يمكن أن تحل العملة الرقمية محلها.
ولا تستبعد الدراسة أن تتأثر الودائع المصرفية بإدخال العملة الجديدة، لكنها تشير إلى إمكانية تعويض المصارف جزءا من الودائع المتراجعة عبر التمويل الذي يوفره البنك المركزي والمستثمرون الماليون، مع توقع ارتفاع القروض بما يعادل نقطة واحدة من الناتج الداخلي الخام.
واختبر الباحثون أثر العملة الرقمية في مواجهة 22 صدمة اقتصادية، وأظهرت نتائج النموذج أن دورها قد يكون أكثر وضوحا في حالات تراجع إقراض المصارف أو ارتفاع الطلب على السيولة، من خلال تخفيف الضغط على القروض والودائع والحد من الخسائر التي قد تلحق بالناتج.
في المقابل، تظل مساهمة الدرهم الرقمي محدودة عندما يتعلق الأمر بالصدمات المرتبطة بتشديد المتطلبات الرأسمالية للمصارف، كما لا يتوقع أن يكون تأثيره كبيرا في مواجهة الصدمات الخارجية والحقيقية، من قبيل ارتفاع أسعار النفط أو تراجع تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج أو زيادة أسعار الفائدة الأجنبية، باعتبار أن مصادر هذه التقلبات تتجاوز منظومة الأداءات.
وتؤكد الدراسة أن سعر الفائدة، إلى جانب أدوات السياسة الاحترازية، سيظل الأداة الأساسية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، موضحة أن العملة الرقمية، شأنها شأن النقد، تتحدد كميتها وفق الطلب عليها، ما يجعل دورها أقرب إلى استيعاب الصدمات وتخفيف آثارها بدل أن تكون أداة مستقلة وفاعلة في توجيه الاقتصاد.
كما تثير النتائج تساؤلات بشأن قدرة الدرهم الرقمي على توسيع الإدماج المالي، إذ يمكنه تحسين جودة وسائل الأداء المتاحة للأسر غير المستفيدة من الخدمات المصرفية، لكنه لا يضمن توفير السيولة اللازمة عند الحاجة، في ظل ارتباط الحصول على هذه العملة بوجود مدخرات سابقة.
وفي هذا الإطار، يبرز الباحثون أهمية ضمان إعادة تمويل موثوقة للمصارف، مع طرح خيار إحداث مؤسسات مالية عمومية قادرة على إنشاء النقد الرقمي، باعتباره أحد البدائل الممكنة، وإن كان يثير نقاشا بشأن دور المؤسسات العمومية في المنظومة المالية.
وشددت الورقة البحثية على أن نتائجها تظل مشروطة بآلية إصدار العملة الرقمية ومدى توفر التمويل اللازم للمصارف، موضحة أن الفرضيات المتعلقة بكفاءة هذه العملة وقدرتها على تعويض وسائل الأداء الحالية تمثل سيناريوهات افتراضية، وليست تقديرات مستندة إلى نتائج تجريبية. كما أن النموذج لا يقيس عدد المستخدمين المحتملين أو حجم المعاملات التي يمكن أن تتم عبر الدرهم الرقمي.
وخلصت الدراسة إلى أن العملة الرقمية للبنك المركزي قد تسهم في تحسين كفاءة الأداءات وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة بعض الاضطرابات المالية، غير أن أثرها على النمو ومحاربة الإقصاء المالي يظل محدودا، ويرتبط نجاحها بتصميم آليات الإصدار، وضمان متانة التمويل المصرفي، إلى جانب إصلاحات أوسع تتيح للأسر ذات الدخل المحدود الوصول الفعلي إلى الائتمان والخدمات المالية.





