من ملاعب الأحياء إلى مونديال المكسيك: أي موقع لمنتخب مبتوري الأطراف داخل السياسات الرياضية؟

بشرى عطوشي
لم يعد تألق المنتخب المغربي لكرة القدم لمبتوري الأطراف مجرد مناسبة للاحتفاء بالنتائج الرياضية أو رفع العلم الوطني في المحافل الدولية، بل أصبح فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري حول موقع هذه الفئة داخل السياسات الرياضية والاجتماعية بالمغرب، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على تحويل الإنجازات إلى مكتسبات ملموسة تحمي كرامة الممارسين وتضمن لهم شروط الاستمرار والتطور.
ومع اقتراب نهائيات كأس العالم لكرة القدم لمبتوري الأطراف بالمكسيك، تبرز الحاجة إلى التعامل مع هذا المنتخب باعتباره جزءاً من الرصيد الرياضي الوطني، لا مجرد مجموعة من اللاعبين الذين يستقطبون الاهتمام خلال المنافسات الدولية، ثم يعودون إلى مواجهة أعبائهم اليومية في ظروف قد لا تتناسب مع حجم التضحيات التي يقدمونها.
فخلف كل لاعب يحمل القميص الوطني قصة من الصبر والإصرار، وتحديات مرتبطة بالتنقل والتدريب والتجهيزات والاحتياجات الاجتماعية. وتزداد أهمية هذه المعادلة حين يتعلق الأمر بممارسين لا يتوفر عدد منهم على دخل شهري قار يضمن متطلبات العيش، ما يجعل ممارسة الرياضة بالنسبة إليهم رهينة توازن هش بين الطموح الرياضي والإكراهات المعيشية.
ومن هنا، فإن دعم المنتخب لا ينبغي أن يظل محصوراً في تكاليف المشاركة في البطولات أو توفير الحد الأدنى من الاستعدادات، بل يتعين أن يمتد إلى إرساء منظومة مستدامة تضمن للممارسين الاستقرار الاجتماعي، وتتيح لهم التفرغ للتدريب والتنافس دون أن تتحول الرياضة إلى عبء إضافي على أوضاعهم المادية.
المكسيك: محطة جديدة في مسار الكرة المغربية
تحمل المشاركة المغربية المرتقبة في المكسيك أبعاداً تتجاوز حدود التنافس على اللقب، خصوصاً أن هذا البلد ارتبط في الذاكرة الكروية المغربية بمحطات بارزة صنعت لحظات من الاعتزاز الوطني، وجعلت منه وجهة يستحضرها المغاربة بتفاؤل كلما تعلق الأمر بطموح كروي جديد.
وإذا كان مونديال المكسيك يمثل فرصة أمام المنتخب المغربي لمبتوري الأطراف لإبراز قدراته ومنافسة منتخبات العالم، فإنه يشكل أيضاً مناسبة أمام المؤسسات الرياضية والجهات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين لإعادة النظر في طبيعة الدعم المخصص لهذه الرياضة، والانتقال من منطق التشجيع الظرفي إلى سياسة واضحة المعالم، قائمة على التمويل المنتظم والتأطير والتكوين والحماية الاجتماعية.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد الأهداف المسجلة أو الأدوار التي يبلغها المنتخب، بل كذلك بما تتركه المشاركة الدولية من أثر في حياة اللاعبين، وبمدى قدرتها على فتح آفاق جديدة أمام الأطفال والشباب من مبتوري الأطراف، حتى لا تظل ممارسة هذه الرياضة امتيازاً محصوراً في فئة قليلة، بل تصبح حقاً متاحا لكل من يمتلك الرغبة والموهبة.
من الأحياء الشعبية تبدأ صناعة الأبطال
إن تطوير كرة القدم لمبتوري الأطراف يقتضي توسيع قاعدة الممارسة، والانتقال بها من نطاق المنتخبات والتجمعات المحدودة إلى الأحياء الشعبية والمراكز الرياضية المحلية. فالمواهب لا تظهر جميعها داخل الأندية الكبرى، ولا يمكن اكتشافها إذا ظلت فرص الولوج إلى التدريب والتجهيز والتأطير رهينة الإمكانات الفردية أو المبادرات المتفرقة.
ويستدعي ذلك تخصيص فضاءات ملائمة داخل الأحياء، وإدماج هذه الرياضة ضمن برامج القرب التي تشرف عليها الجماعات الترابية والقطاعات الحكومية المعنية، مع توفير المدربين المؤهلين والمعدات الضرورية، وتنظيم بطولات محلية وجهوية منتظمة.
كما أن إحداث مدارس رياضية ومراكز تكوين متخصصة من شأنه أن يمنح الأطفال والشباب من مبتوري الأطراف فرصة ممارسة الرياضة في بيئة آمنة، ويساعد على اكتشاف المواهب مبكراً وإعدادها وفق مسار تدريجي ينتهي بإمكانية الالتحاق بالأندية والمنتخبات.
ولا يقل عن ذلك أهمية تخصيص ميزانية سنوية واضحة لدعم هذه الرياضة، تتضمن منحاً للممارسين، ومساعدات مرتبطة بالتنقل والتجهيز والتدريب، وتغطية صحية وتأمينية مناسبة، إلى جانب دعم الجمعيات والأندية التي تتولى التأطير على المستوى المحلي.
فلا معنى للحديث عن تطوير رياضة ذوي الإعاقة إذا كان اللاعب مطالبا بتدبير احتياجاته الأساسية بمفرده، أو البحث عن مصادر دخل غير مستقرة في الوقت الذي يحتاج فيه إلى الالتزام بالتدريبات والاستعداد للاستحقاقات الوطنية والدولية. كما أن ربط الدعم بالمناسبات والنتائج وحدها قد يحرم الممارسين من الاستقرار الضروري لتطوير مستواهم والحفاظ على مسارهم الرياضي.
الحق في الرياضة لا ينفصل عن الحق في العيش الكريم
تطرح أوضاع بعض ممارسي كرة القدم لمبتوري الأطراف سؤالاً أوسع بشأن العلاقة بين الإنجاز الرياضي والحماية الاجتماعية. فالاعتراف بقدرات هذه الفئة لا ينبغي أن يتوقف عند الإشادة بإرادتها، بل يتعين أن يُترجَم إلى إجراءات تحمي حقوقها وتحد من الهشاشة التي قد تواجهها خلال مسيرتها الرياضية وبعد انتهائها.
وتقدم تجارب عدد من الدول الغربية نماذج مختلفة في دعم رياضيي ذوي الإعاقة، من خلال آليات التمويل والتأطير والحماية الاجتماعية، وإن كانت مستويات الدعم تختلف من بلد إلى آخر. ويمكن للمغرب أن يستفيد من هذه التجارب بما يتلاءم مع إمكاناته وخصوصياته، مع اعتماد معايير واضحة للإنصاف وتكافؤ الفرص والشفافية في توزيع الموارد.
ويشمل ذلك التفكير في منح شهرية أو تعويضات منتظمة للممارسين الذين يثبتون التزامهم الرياضي، وإرساء برامج للتكوين المهني والإدماج في سوق الشغل، حتى لا يجد اللاعب نفسه أمام فراغ اجتماعي ومادي بمجرد انتهاء مشاركته أو تراجع قدرته على المنافسة.
كما تبرز أهمية وضع مسارات تضمن استمرارية الاستفادة من الدعم، وفق معايير معلنة تراعي الوضعية الاجتماعية والرياضية لكل ممارس، بدل حصر الامتيازات في الأسماء الأكثر حضوراً إعلاميا أو في اللاعبين الذين يحققون نتائج بارزة فقط.
كرامة الممارسين مسؤولية مؤسساتية
إن تجارب الهجرة غير النظامية أو مغادرة بعض الرياضيين بلدانهم خلال مشاركات دولية، التي شهدتها سياقات رياضية مختلفة، تبرز أهمية توفير بيئة تضمن الاستقرار والحقوق والآفاق المهنية. غير أن ربط حالات بعينها بمنتخب مبتوري الأطراف أو بالمنتخب المغربي تحديداً يقتضي معطيات موثقة تحدد الوقائع وأصحابها وظروفها.
ومع ذلك، يظل الدرس الأوسع واضحاً: حين لا يجد الرياضي ضمانات اجتماعية كافية أو تصوراً لمستقبله المهني، تصبح معالجة هشاشته جزءاً من مسؤولية المؤسسات التي تشرف على مساره، وليس مجرد شأن شخصي يتحمل اللاعب تبعاته بمفرده.
إن صون الحقوق المشروعة لهذه الفئة، وتوفير شروط العيش الكريم والتدريب المنتظم والاستفادة العادلة من فرص العمل والحماية الاجتماعية، من شأنه أن يعزز الثقة في المؤسسات الرياضية الوطنية، ويرسخ شعور اللاعبين بأن تمثيل المغرب لا يعني التضحية بمستقبلهم الاجتماعي، بل يمكن أن يكون مدخلاً إلى الاعتراف بمواهبهم وتوسيع فرص اندماجهم.
من الاحتفاء بالإنجاز إلى بناء سياسة مستدامة
تمنح المشاركة المغربية في مونديال المكسيك فرصة مناسبة لفتح نقاش مؤسساتي حول مستقبل كرة القدم لمبتوري الأطراف، بمشاركة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والقطاعات الحكومية المعنية والجماعات الترابية والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني.
ويفترض هذا النقاش وضع برنامج وطني يمتد لعدة سنوات، يحدد أهدافاً قابلة للقياس، ويرصد ميزانية معلنة، ويوسع قاعدة الممارسة في الأحياء، ويضمن تكوين المؤطرين وتوفير التجهيزات، مع إرساء آليات لتقييم أثر الدعم على الأوضاع الاجتماعية للممارسين وعلى تطور المستوى الرياضي.
كما يظل إشراك اللاعبين أنفسهم في صياغة هذا البرنامج ضرورياً، لأنهم الأقدر على تحديد احتياجاتهم الفعلية والعراقيل التي تواجههم، سواء داخل الملاعب أو خارجها.
إن المغرب الذي يتطلع إلى تحقيق إنجاز جديد في المكسيك مدعو إلى جعل هذه المناسبة فرصة لتأسيس مرحلة مختلفة في تعامله مع رياضة مبتوري الأطراف؛ مرحلة لا يكون فيها اللاعب بطلاً في أعين الجمهور خلال البطولة فحسب، بل مواطناً يتمتع بحقوق واضحة وضمانات اجتماعية تحفظ كرامته وتتيح له بناء مستقبله.
فالأهداف التي يسجلها المنتخب قد تمنح المغاربة لحظات من الفخر، لكن الأثر الأعمق يتحقق عندما تتحول تلك اللحظات إلى سياسة عمومية عادلة، تفتح أبواب الرياضة أمام مزيد من المواهب، وتوفر للممارسين دخلاً مستقرا وآفاقا مهنية واجتماعية تحفظ لهم مكانتهم داخل المجتمع.
وعندها فقط، يصبح مونديال المكسيك أكثر من محطة تنافسية جديدة؛ يصبح مناسبة لاختبار قدرة الرياضة المغربية على الجمع بين صناعة الإنجاز وصون كرامة الإنسان.





