مصانع تتوسع وأجور تنتظر الإنصاف.. رياض مزور يراهن على الاستثمار الصناعي فمن يضمن نصيب العامل من ثمار النمو؟

بشرى عطوشي
يواصل وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، رياض مزور، الترافع من أجل توسيع الخريطة الصناعية للمغرب، عبر تعبئة العقار وتطوير المناطق الصناعية وتوجيه الاستثمارات نحو الجهات الأقل استقطاباً للمشاريع. توجه حكومي يراهن على تعزيز الإنتاج الوطني وتوسيع قاعدة التشغيل، لكنه يفتح في المقابل نقاشاً حول الجانب الاجتماعي لهذه الدينامية، ومدى انعكاسها على مستوى دخل العامل المغربي.
وخلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب يوم 2 نونبر الجاري، قدم الوزير معطيات حول وضعية المناطق الصناعية بالمملكة، مشيراً إلى أن المغرب يتوفر على 176 منطقة صناعية مؤهلة أو مبرمجة، تمتد على مساحة تقارب 15 ألف هكتار، بنسبة تثمين تبلغ 62 في المائة، فيما توفر المناطق الصناعية المجهزة حوالي 656 ألف منصب شغل. كما استعرض توجه الوزارة نحو توجيه الاستثمارات إلى المجالات الترابية الأقل جاذبية، والاستفادة من المؤهلات الاقتصادية والبشرية لكل جهة.
وفي اليوم الموالي، تواصل عرض توجهات الوزارة أمام مجلس المستشارين، مع الكشف عن وجود 2400 هكتار إضافية في طور الإنجاز، و4000 هكتار أخرى مبرمجة، بما يعكس حجم الرهان على توسيع العرض العقاري الصناعي واستقطاب المزيد من المشاريع.
غير أن هذه الأرقام، على أهميتها في قياس التوسع الصناعي، لا تجيب وحدها عن سؤال يهم مئات الآلاف من الأجراء: هل تتناسب الأجور التي توفرها هذه الاستثمارات مع تكاليف المعيشة وحجم المجهود الذي يبذله العامل داخل الوحدات الإنتاجية؟
أي شروط لاستقطاب المستثر الصناعي؟
لقد أصبح استقطاب المستثمر الصناعي يحظى باهتمام كبير، من خلال توفير العقار والتجهيزات والبنيات التحتية والتسهيلات والتحفيزات. لكن الاهتمام بشروط استقبال الاستثمار ينبغي أن يوازيه اهتمام مماثل بشروط العمل داخله، لأن المصنع لا ينتج بالتجهيزات وحدها، وإنما بجهد بشري يتحمل المسؤولية اليومية عن الإنتاج والجودة واحترام آجال التسليم.
وهنا تبرز نقطة تستحق مساءلة السياسة الصناعية: لماذا لا تتحول الامتيازات التي تقدمها الدولة للمستثمرين إلى مدخل لفرض التزامات اجتماعية أكثر وضوحاً، تجعل تحسين أجور العاملين جزءاً من الاتفاقيات الاستثمارية، بدل أن يظل هذا الجانب خاضعاً في الغالب لاختيارات المشغل وإمكانات المقاولة؟
فالإشكال ليس في جلب الشركات أو تشجيعها على توسيع أنشطتها، بل في طبيعة فرص العمل التي توفرها. إذ لا يمكن قياس الأثر الاجتماعي لمصنع جديد بعدد المناصب المعلن عنها فقط، دون النظر إلى مستوى الأجور والاستقرار المهني والتغطية الاجتماعية وآفاق التطور الوظيفي.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية بالنظر إلى تأكيد الوزير نفسه أن الرهان لم يعد مقتصراً على خلق مناصب الشغل، بل يمتد إلى جودتها، مع إثارة مسألة الأجور التي يمكن أن تبلغ ضعفي أو ثلاثة أضعاف الحد الأدنى للأجر. وهو توجه يفتح الباب أمام سؤال عملي: ما الآليات التي ستضمن تحويل هذا الطموح إلى ممارسة فعلية داخل المشاريع الصناعية الجديدة؟
ضرورة إرساء توازن بين جاذبية الاستثمار والعائد الاجتماعي منه
إن المطلوب ليس التضييق على المستثمر أو تحميل المقاولات أعباء غير مدروسة، وإنما إرساء توازن بين جاذبية الاستثمار والعائد الاجتماعي منه. ويمكن أن يشكل اعتماد دفتر تحملات اجتماعي مرفق باتفاقيات الاستثمار المدعومة عمومياً خطوة مهمة، من خلال تحديد التزامات قابلة للتقييم بشأن الأجور والتكوين والاستقرار المهني والحماية الاجتماعية، مع مراعاة اختلاف القطاعات ومستويات الإنتاجية.
فليس من المنطقي أن تتحمل الدولة كلفة تهيئة المناطق الصناعية وتعبئة العقار وتوفير البنيات التحتية والتحفيزات، دون أن يكون للمجتمع نصيب واضح من القيمة المضافة التي تنتجها هذه المشاريع. كما أن توسيع الصناعة نحو جهات جديدة ينبغي أن ينعكس على الأسر المحلية، لا بمجرد توفير فرص عمل، وإنما بخلق وظائف تسمح بتحسين مستوى العيش وتمنح الشباب إمكانية بناء مستقبل مهني مستقر داخل مناطقهم.
تحسين الأجور عنصر مؤثر في تنشيط السوق الداخلية
ومن زاوية اقتصادية، فإن تحسين الأجور ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل عنصر مؤثر في تنشيط السوق الداخلية. فالدخل المناسب يوسع القدرة الشرائية ويحفز الاستهلاك، ويساهم في تحريك قطاعات أخرى من الاقتصاد الوطني. أما استمرار الفجوة بين توسع الإنتاج وضعف دخل بعض العاملين، فيطرح تساؤلات حول مدى عدالة توزيع ثمار النمو الصناعي.
إن التحدي المطروح أمام وزارة الصناعة والتجارة لا يتعلق فقط بعدد المناطق الصناعية التي ستضاف إلى الخريطة الوطنية، أو حجم العقار الذي ستتم تعبئته، بل أيضاً بطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط الامتيازات الممنوحة للمستثمر بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأجراء.
فالمغرب يحتاج إلى صناعة تنتج الثروة وتنافس في الأسواق الدولية، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى سياسة تضمن أن تتحول هذه الثروة إلى قيمة مضافة يشعر بها العامل في أجره وظروف اشتغاله واستقرار أسرته.
إن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل اتفاقية استثمار صناعي جديدة ليس فقط: كم سيستثمر صاحب المشروع وكم منصب شغل سيوفر؟ بل أيضاً: ما مستوى الأجور التي سيوفرها، وما الضمانات التي ستجعل العامل شريكاً في ثمار النمو الصناعي؟ فنجاح السياسة الصناعية لا يكتمل بتوسيع المصانع، وإنما بقدرتها على تحسين حياة من يعملون داخلها.





