المجلس الوزاري يطلق ورشا استراتيجيا.. هل تنجح النخب في مواكبة التحول؟

أميمة حدري
أعطى المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس، أمس الخميس، انطلاقة مسار إعادة تشكيل السياسات العمومية الترابية، عبر إطلاق دينامية تنموية جديدة تستهدف المجالات القروية والجبلية والواحية، ضمن رؤية متكاملة تقوم على الانتقال من التدخلات المجزأة إلى مقاربة مندمجة تؤطرها خارطة طريق دقيقة زمنيا ومؤسساتيا، بما يعكس توجها واضحا نحو إرساء جيل جديد من برامج التأهيل الترابي.
رفع من جودة الإنجاز وتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع
وفي قراءة لهذا التحول، اعتبر المحلل السياسي رضوان جخا أن ما تم تقديمه لا يندرج ضمن مجرد إجراءات تقنية، بل يشكل “ثورة تنموية هادئة” تقوم على تلاقي الأبعاد القانونية والتشريعية مع الآليات التنظيمية والتدبيرية، بما يضمن تنزيل الورش الملكي المتعلق بالتنمية المجالية المندمجة على أسس أكثر نجاعة واستدامة.
ويبرز هذا التحول، وفق جخا، من خلال التعديلات التي طالت القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، باعتبارها الفاعل المركزي في التنمية الترابية وفق ما ينص عليه الفصل 143 من الدستور. مؤكدا أن هذا التعديل لم يأت بمعزل عن السياق، بل يشكل امتدادا للنقاش العمومي الذي رافق مسار الجهوية المتقدمة، خاصة بعد ما أفرزته التجربة من الحاجة إلى إعادة ضبط الاختصاصات وتوضيح حدودها.
وفي هذا الإطار، يوضح المتحدث في تصريح لـ “إعلام تيفي“، أن التعديلات همت ثلاث مستويات أساسية؛ يتعلق الأول بإعادة تدقيق اختصاصات مجالس الجهات، في ظل ما تم تسجيله من تداخل بينها وبين اختصاصات باقي الجماعات الترابية، إلى جانب الغموض الذي شاب التمييز بين الاختصاصات الذاتية والمشتركة، وهو ما استدعى إعادة ترتيب هذا الإطار بما يضمن وضوحا أكبر في ممارسة المهام.
أما المستوى الثاني، فيرتبط بالجانب المالي، حيث يشير جخا إلى أن الدعم الحالي الموجه للجهات يظل محدودا مقارنة بحجم الرهانات التنموية، وهو ما دفع نحو التوجه إلى رفع هذا الدعم بشكل نوعي، بالتوازي مع تحفيز الجهات على تطوير آليات تمويل مبتكرة تعزز استقلاليتها المالية وتدعم ما وصفه بـ”الذكاء الترابي” في تدبير الموارد.
وفي حين يتمثل المستوى الثالث في إصلاح آليات التنفيذ والتتبع، من خلال تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، وهو إجراء يراهن عليه، بحسب جخا، للرفع من جودة الإنجاز وتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع، بما يتماشى مع متطلبات النجاعة التدبيرية.
ولا تقف أهمية هذا الورش عند حد التعديلات القانونية، بل تمتد إلى حجم الاستثمار المخصص له، حيث يشير المحلل السياسي إلى أن الأمر يتعلق ببرنامج يمتد لثماني سنوات بغلاف مالي يناهز 210 مليارات درهم، ما يعكس الرهان الكبير على تحقيق نقلة نوعية في تدبير التنمية الترابية، انسجاما مع التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش وخطاب افتتاح البرلمان.
ورش رهين بقدرة النخب السياسية
وفي هذا السياق، لفت المتحدث ذاته الانتباه إلى أهمية المقاربة التدبيرية التي تم عرضها، والتي تنطلق من تشخيص ميداني واسع شمل مختلف أقاليم المملكة، بإشراف من عمال الأقاليم، قبل الانتقال إلى وضع آليات قيادة وتتبع تقوم على مستويين متكاملين؛ محلي وجهوي من جهة، ووطني من جهة أخرى.
فعلى المستوى الترابي، سيتم إحداث لجان محلية يقودها العمال وتضم مختلف الفاعلين من مصالح لاممركزة ومنتخبين وممثلين عن المجتمع المدني، تتولى إعداد وتتبع البرامج التنموية، بينما ستتولى لجنة وزارية على المستوى الوطني، برئاسة رئيس الحكومة، مهام المصادقة والتمويل، بما يضمن تنسيقا فعالا بين مختلف مستويات القرار.
ويرى جخا في معرض تصريحه أن هذه المقاربة من شأنها تمكين كل إقليم من تحديد أولوياته التنموية بشكل دقيق، مع ضمان تتبع تنفيذها في إطار تشاركي، مدعوم بآلية شركات المساهمة الجهوية التي ستتولى تنزيل المشاريع، مع إمكانية رفع الإكراهات إلى المستوى المركزي لضمان معالجتها في الوقت المناسب.
كما شدد المحلل على أن أحد أعمدة هذا الورش يتمثل في تعزيز الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال اعتماد تقارير دورية للهيئات المختصة بالرقابة، سواء المالية أو الإدارية، إلى جانب إرساء منصات رقمية إقليمية وجهوية تتيح للمواطنين تتبع سير المشاريع التنموية، بما يعزز الشفافية ويكرس المقاربة التشاركية في تدبير الشأن العام.
وخلص جخا إلى أن المغرب يقف أمام لحظة مفصلية في مسار تحقيق العدالة المجالية، معتبرا أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بقدرة النخب السياسية، خاصة في المجالات القروية والجبلية، على مواكبة هذه الدينامية والانخراط الفعلي في تنزيلها، بما يسمح بتحقيق تحول نوعي في جاذبية المجالات الترابية وتعزيز توازنها التنموي.





