قرار مالي يزلزل أطروحة الانفصال.. تحول استراتيجي في ملف الصحراء المغربية

أميمة حدري
شكّل إعلان جمهورية مالي سحب اعترافها بما يُسمى “الجمهورية الصحراوية” منعطفاً لافتاً في مسار النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، في خطوة حملت أبعاداً تتجاوز حدودها الدبلوماسية المباشرة لتلامس عمق التوازنات الجيوسياسية في منطقة الساحل والصحراء، وتؤشر على انتقال متسارع نحو مقاربات أكثر واقعية في التعاطي مع هذا الملف داخل القارة الإفريقية.
وفي قراءة لهذا التحول، اعتبر المحلل السياسي والاستراتيجي الحسين بكار السباعي أن القرار المالي لا يمكن فهمه باعتباره مجرد تطور دبلوماسي معزول، بل يندرج ضمن دينامية إقليمية أوسع تعكس بداية تآكل ما تبقى من مرتكزات الأطروحة الانفصالية داخل الفضاء الإفريقي، خاصة في منطقة الساحل التي تعيش تحولات عميقة على المستويين الأمني والجيوسياسي.
وفي تصريحه لـ”إعلام تيفي“، أوضح السباعي أن أهمية هذا القرار ترتبط بالموقع المحوري الذي تحتله مالي داخل منطقة الساحل، حيث تمثل، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، نقطة تقاطع بين رهانات الأمن والتنمية، وهو ما يمنح موقفها امتداداً يتجاوز الإطار الثنائي ليؤثر في اتجاهات أوسع داخل القارة، ويفتح الباب أمام تحولات مماثلة في مواقف عدد من الدول الإفريقية.
وأشار المتحدث إلى أن هذا التحول يعكس إدراكاً متنامياً لدى العديد من الدول الإفريقية بأن مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها التهديدات الإرهابية، يمر عبر دعم الدولة الوطنية وتعزيز سيادتها، معتبراً أن المقاربات التي قامت على دعم كيانات انفصالية لم تعد قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة أو الاستجابة لتحولات البيئة الإقليمية.
وفي هذا السياق، يرى السباعي أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب أضحت تمثل الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ لتسوية هذا النزاع، في ظل تراجع جاذبية الأطروحات الانفصالية التي لم تعد تنسجم مع رهانات الاستقرار والتنمية داخل القارة.
كما سجل أن القرار المالي يعكس انتقالاً واضحاً من منطق دعم ما وصفه بـ“الكيانات الوظيفية” إلى تبني رؤية قائمة على تقوية الدولة الوطنية باعتبارها الفاعل المركزي في تحقيق الأمن والاستقرار، وهو ما ينسجم مع التحولات التي يعرفها النظام الإقليمي الإفريقي في اتجاه مزيد من البراغماتية.
ولم يفصل المتحدث هذا التطور عن الدينامية الدبلوماسية التي يقودها المغرب داخل عمقه الإفريقي، مشيراً إلى أن مواقف عدد من الدول، من بينها كينيا ومصر، تعكس ما يشبه “تأثير الدومينو” الذي بدأ يعيد تشكيل الخريطة السياسية للقارة، في اتجاه قائم على المصالح المشتركة بدل الاصطفافات التقليدية.
وفي هذا الإطار، أبرز السباعي أهمية المبادرات الاقتصادية والاستراتيجية التي أطلقها المغرب، وعلى رأسها المبادرة الأطلسية، معتبراً أنها أعادت صياغة موقع الصحراء المغربية كمنصة لوجستية تربط دول الساحل غير الساحلية بالمحيط الأطلسي، وهو ما منح هذه الدول مصلحة مباشرة في دعم هذا التوجه والانخراط فيه.
وأضاف أن انخراط مالي في هذا المسار لا يعكس فقط تحولاً سياسياً، بل يعبر أيضاً عن تغير في إدراك طبيعة النزاع، حيث أصبح يُنظر إليه من زاوية تأثيره على الأمن والتنمية، لا كقضية معزولة، وهو ما يساهم في إضعاف الأطروحات المناوئة وإفراغها من عمقها الجغرافي والسياسي داخل القارة.
وفي أفق هذه التحولات، رجّح السباعي أن تشهد القارة الإفريقية مرحلة إعادة ترتيب داخل مؤسساتها، خاصة على مستوى الاتحاد الإفريقي، مع تزايد الضغوط لمراجعة التعاطي مع هذا الملف في ضوء التحولات المتسارعة، وتنامي القناعة بجدية ومصداقية المقترح المغربي.
وخلص المحلل السياسي إلى أن سحب مالي لاعترافها لا يمثل نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح المشهد الإفريقي برمته، في اتجاه يعزز الانسجام السياسي والقانوني داخل القارة، ويكرّس منطق السيادة الوطنية كمرتكز أساسي للاستقرار، في ظل تشكل إفريقيا جديدة تحكمها المصالح المشتركة والتوازنات الواقعية.





