بعد 15 سنة على خطاب الإصلاح الدستوري.. أين وصل المغرب في ترسيخ دولة الحق والقانون؟

هدى الرويفي : صحافية متدربة

“إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب”. صدق الله العظيم.
بهذه الآية الكريمة ختم الملك محمد السادس خطابه التاريخي في 9 مارس 2011، وفي الذكرى الخامسة عشر لهذا الخطاب نستحضر إرادة الإصلاح التي ترجمت بدستور ديموقراطي حداثي مثل ثورة جديدة للملك والشعب.

خمسة عشر سنة مرت على خطاب الملك الذي وضع خارطة طريق واضحة للمغرب نحو ديمقراطية متقدمة وتنمية شاملة، مع التركيز على ترسيخ دولة الحق والقانون وتوسيع الحقوق والحريات. هذه الفترة شهدت تغييرات مهمة على مستوى المؤسسات، القوانين، والممارسات السياسية والاجتماعية، انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين.

وقد توجت هذه الدينامية الإصلاحية باعتماد دستور 2011 الذي شكل خطوة مهمة نحو تعزيز دولة القانون، وينص الدستور على مجموعة من الحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير، وحرية التنظيم، والحق في المشاركة السياسية. كما ينص على تعزيز منظومة حقوق الإنسان بمختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، في انسجام مع الالتزامات الدولية للمغرب في هذا المجال.

وفي السياق نفسه، عرف المغرب خلال السنوات الماضية تعزيز دور عدد من المؤسسات والهيئات المعنية بحماية حقوق الإنسان والحريات، إضافة إلى تقوية دور المجتمع المدني في الدفاع عن هذه المكتسبات والمساهمة في النقاش العمومي. وقد ساهمت هذه الدينامية في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وتعزيز آليات الحكامة الجيدة، القائمة على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ننشد مغربا لا يمكن أن يسير بسرعتين من أجل تسريع مسيرة المغرب الصاعد

وأوضح الخني في تصريح خص به “إعلام تيفي” أن المغرب انخرط بشكل طوعي في الحوار مع هيئات المعاهدات التابعة للأمم المتحدة، كما أصبح طرفا في الاتفاقيات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان والبروتوكولات الاختيارية المرتبطة بها، من بينها البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، مضيفًا أن اعتماد آليات تتيح تقديم الشكاوى الفردية أمام الهيئات الدولية، وهو ما يعكس التزام المغرب بتعزيز حماية الحقوق والحريات والانسجام مع المعايير الدولية. وهو ما انعكس، حسب المتحدث، على أدوار عدد من المؤسسات والآليات الوطنية المعنية بحماية حقوق الإنسان والانفتاح على المقررين الأمميين، معتبرا أن هذا المسار ساهم في تطوير الحوار مع المنظومة الدولية لحقوق الإنسان.

المنتدى المغربي للديمقراطية وحقوق الإنسان، وفق الخني، يسجل باعتزاز كبير مضامين وأبعاد الرسالة الملكية بشأن إعادة النظر في مدونة الأسرة، تجسيدا للعناية الكريمة التي ما فتِئ يُوليها، للنهوض بقضايا المرأة وللأسرة بشكل عام التي اسند إصلاحها لعدد من المؤسسات الدستورية والهيئات المعنية بالإضافة إلى المجتمع المدني والباحثين المختصين في أفق تطوير مدونة أسرة جديدة يمكنها التعامل مع التغيرات الاجتماعية.

ورغم هذه المكتسبات، يؤكد المتحدث أن تعزيز الحريات يظل مرتبطا بمواجهة عدد من التحديات، من بينها توسيع فضاءات الديمقراطية التشاركية، وتقوية آليات محاربة الفساد والريع، وتعزيز العدالة المجالية وتقليص الفوارق الاجتماعية. كما شدد على أهمية تحويل المكتسبات الدستورية والحقوقية إلى سياسات عمومية ملموسة تقوم على المساواة والإنصاف وعدم الإفلات من العقاب، مع تحصين الفضاء السياسي والانتخابي وتعزيز البناء الديمقراطي والمؤسساتي.

وفي ختام تصريحه، يرى جواد الخني، أن دستور 2011 شكل إطارا متقدما لترسيخ قيم الكرامة والحرية والمساواة والتعددية، غير أن تحقيق هذه المبادئ يظل رهينا بمواصلة ملاءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وتعزيز دمقرطة المؤسسات. مؤكدًا أن بناء مغرب متقدم يقتضي تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتسريع وتيرة الإصلاحات بما يعزز دولة الحق والقانون ويضمن الحقوق والحريات لجميع المواطنين.

في النهاية، يمكن القول إن المغرب قطع خطوات مهمة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية في اتجاه تعزيز دولة الحق والقانون وتكريس الحقوق والحريات، غير أن هذا المسار الإصلاحي يظل مفتوحاً على مزيد من التطوير، بما يستجيب لتطلعات المواطنين ويعزز البناء الديمقراطي للمملكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى