المجموعات الصحية الترابية بين طموح الإصلاح وغياب التقييم
حسين العياشي
في خضم التحولات الكبرى التي يعرفها قطاع الصحة بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، برز مشروع المجموعات الصحية الترابية باعتباره أحد أهم الأوراش التي تراهن عليها الدولة لإعادة رسم ملامح المنظومة الصحية الوطنية. فقد أعلنت الحكومة، في يوليوز 2025، عن إطلاق هذا الورش في إطار تنزيل مقتضيات القانون رقم 08.22، تحت إشراف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، مقدمة إياه كخطوة مفصلية نحو إرساء نموذج جديد للحكامة الصحية يقوم على اللامركزية في التدبير، وتقريب الخدمات من المواطنين، وإعادة تنظيم العرض الصحي على أسس أكثر نجاعة ومرونة.
ويقوم هذا التصور الإصلاحي في جوهره على إعادة هيكلة العرض الصحي على المستوى الجهوي، من خلال إحداث مجموعات صحية ترابية تتمتع بقدر من الاستقلالية في التسيير والتدبير، بما يتيح تدبيراً أفضل للموارد البشرية والمالية، ويعزز التنسيق بين مختلف المؤسسات الصحية داخل الجهة الواحدة. غير أن مثل هذه الأوراش الكبرى لا تُقاس أهميتها بمجرد الإعلان عنها أو الشروع في تنزيلها، بل بمدى قدرتها الفعلية على تحقيق الأهداف التي أُطلقت من أجلها، وعلى إحداث أثر ملموس في جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.
في هذا السياق، يثير عادل عوين، عضو المكتب الوطني للجامعة الوطنية للصحة المنضوية تحت لواء الاتحاد العام للشغالين بالمغرب وعضو التنسيق النقابي الوطني بقطاع الصحة، عدداً من التساؤلات المرتبطة بمرحلة تنزيل هذا الإصلاح، خاصة في ظل النقاش المتنامي حول تعميم تجربة المجموعات الصحية الترابية على باقي جهات المملكة. فقد شكلت المجموعة الصحية الترابية لجهة طنجة–تطوان–الحسيمة أول تجربة عملية لتجسيد هذا النموذج الجديد، وكان يفترض أن تتحول إلى مختبر مؤسساتي لاختبار آليات التدبير الجديدة، ورصد مكامن القوة والاختلالات قبل الانتقال إلى مرحلة التعميم على الصعيد الوطني.
وفي تصريحه ل”إعلام تيفي”، اعتبر عوين أن المعطيات المتوفرة إلى حدود مارس 2026، بحسب التصريحات المتداولة في هذا الصدد، لا تقدم صورة واضحة حول الحصيلة الفعلية لهذه التجربة الأولى. فلا توجد، إلى الآن، معطيات مفصلة أو تقييم مؤسساتي معلن يجيب عن أسئلة أساسية تتعلق بمدى نجاح هذا النموذج في تحسين حكامة المنظومة الصحية، أو بمدى انعكاسه الفعلي على جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، فضلاً عن التساؤل المرتبط بمدى نجاعة هذه البنية الجديدة في تدبير الموارد البشرية والمالية.
وتزداد حساسية هذا النقاش في ظل السياق السياسي الراهن، إذ لم يتبق سوى نحو ستة أشهر على نهاية الولاية الحكومية الحالية برئاسة عزيز أخنوش، ما يفتح الباب أمام قراءة متعددة الدلالات للإيقاع الذي تُدار به هذه الإصلاحات. فهل يتعلق الأمر بتسريع وتيرة تنزيل الأوراش الكبرى في محاولة لاستكمالها قبل نهاية الولاية الحكومية؟ أم أن الأمر يستند فعلاً إلى قراءة دقيقة لنتائج التجربة الأولى، بما يسمح بالانتقال إلى مرحلة التعميم بثقة أكبر في جدوى النموذج المعتمد؟
بالنسبة لعوين، فإن معيار نجاح أي إصلاح عمومي لا يقاس بعدد القوانين التي تصدر أو الهياكل التي يتم إحداثها، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطنين، وتحسين جودة الخدمات العمومية في واقعهم اليومي. فالإصلاح، في نهاية المطاف، ليس مجرد هندسة مؤسساتية أو إعادة ترتيب إداري، بل هو اختبار فعلي لمدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة لانتظارات المجتمع.
وبين منطق السرعة السياسية ومنطق التقييم المؤسساتي المتأني، يظل التحدي الحقيقي هو ضمان ألا يتحول ورش المجموعات الصحية الترابية إلى مجرد عنوان إصلاحي كبير يتردد في الخطاب الرسمي، دون أن يواكبه تقييم نقدي جاد لما تحقق فعلياً على أرض الواقع. فالتجارب الإصلاحية الناجحة لا تخشى الاختبار، ولا تتردد في مراجعة مساراتها عندما تقتضي الضرورة، بل تجعل من التقييم الصريح نقطة الانطلاق لبناء سياسات عمومية أكثر نجاعة وقدرة على مواكبة تحولات المجتمع وتطلعاته.





