عندما يتحول الخوف إلى عدوى رقمية.. كيف تنتشر إشاعات اختطاف الأطفال وتؤثر على المجتمع؟(حوار )

فاطمة الزهراء ايت ناصر
في السنوات الأخيرة، أصبحت الأخبار المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على إحداث تأثير واسع وسريع داخل المجتمعات، خصوصا عندما تتعلق بقضايا حساسة مثل سلامة الأطفال، فمجرد انتشار منشور أو تسجيل صوتي يتحدث عن اختفاء طفل أو محاولة اختطاف كفيل بإثارة موجة من القلق والخوف بين الأسر، وهو ما يدفع الكثيرين إلى مشاركة هذه الأخبار بسرعة كبيرة، حتى قبل التأكد من صحتها.
ومع تكرار هذه الحالات، يتحول القلق الفردي تدريجيا إلى حالة من التوتر الجماعي الذي ينعكس على سلوكيات الناس وثقتهم في محيطهم الاجتماعي، ولا يقتصر تأثير هذه الأخبار على الجانب العاطفي فقط، بل يمتد إلى تشكيل تصورات الأفراد حول مستوى الأمان داخل المجتمع.
لفهم أعمق لهذه الظاهرة، وأسباب انتشار الإشاعات المرتبطة بسلامة الأطفال وتأثيرها النفسي والاجتماعي، أجرت إعلام تيفي هذا الحوار مع الأستاذ محمد حبيب، أخصائي علم النفس الاجتماعي، الذي قدم قراءة علمية لآليات انتشار هذه الأخبار في الفضاء الرقمي، وانعكاساتها على الأفراد والمجتمع، إضافة إلى سبل الحد من آثارها.
ما هي التأثيرات النفسية لهذه الإشاعات على الأطفال والأسر؟
الآثار النفسية للإشاعات المتعلقة بأطفالنا عميقة ومتعددة الأبعاد، التعرض المستمر للأخبار الصادمة يؤدي إلى تضخيم إدراك الخطر، حيث يبدأ الأفراد في الاعتقاد بأن المجتمع أصبح أكثر خطورة مما هو عليه بالفعل، هذا التأثير النفسي يجعل الأشخاص أكثر توترًا وقلقًا، وقد يؤدي إلى الشعور بالعجز أمام حماية الأطفال.
بالنسبة للأطفال، فإن متابعة هذه الأخبار دون وجود توجيه من الأسرة يمكن أن تسبب شعورًا دائمًا بالخوف والقلق، وقد تؤثر على الأمن النفسي والثقة بالبيئة المحيطة، الأطفال قد يظهرون أعراضًا مثل القلق، الأرق، التوتر، أو التردد في ممارسة أنشطتهم اليومية مثل اللعب مع الأقران أو الذهاب إلى المدرسة.
أما بالنسبة للأسر، فقد تؤدي هذه الإشاعات إلى سلوكيات حماية مفرطة، مثل منع الأطفال من اللعب خارج المنزل أو مراقبتهم بشكل دائم، ورغم أن هذه الإجراءات نابعة من حرص مشروع على سلامة الطفل، فإن المبالغة فيها قد تؤثر على استقلالية الطفل وتطوره الاجتماعي والنفسي.
كيف تؤثر هذه الإشاعات على ثقة الناس في المجتمع والجيران؟
الإشاعات لا تؤثر فقط على الأفراد بشكل فردي، بل تمتد لتضعف الثقة الاجتماعية داخل المجتمع، عندما تنتشر أخبار غير مؤكدة عن اختطاف الأطفال أو جرائم محتملة، يصبح الناس أكثر حذرا وريبة في تعاملهم مع محيطهم.
هذا التوتر والشك المتبادل يضعف الروابط الاجتماعية، ويزيد من القلق الجماعي، ويجعل المجتمع أكثر انقساما،
يشير عالم الاجتماع روبرت بوتنام إلى أن الثقة بين الأفراد تعتبر جزءا أساسيا من رأس المال الاجتماعي الذي يضمن استقرار المجتمعات وتماسكها.
وعندما تتآكل هذه الثقة بسبب الأخبار المضللة، يصبح الناس أكثر انعزالا، ويبدأون في الشك في الآخرين حتى من يعرفونهم، الخطر الأكبر في الإشاعات لا يكمن فقط في مضمونها، بل في قدرتها على زعزعة الثقة الاجتماعية وإضعاف الروابط بين الناس.
ما هي أفضل الطرق التي يمكن للأسر والمجتمع اتباعها للتقليل من تأثير هذه الأخبار على الصحة النفسية؟
التعامل مع الأخبار المضللة يحتاج إلى استراتيجيات متعددة على المستوى الفردي، الأسري، والمجتمعي. أولا، يجب تنظيم التعرض للأخبار، لأن متابعة المحتوى الصادم بشكل مستمر تزيد من مستويات القلق والخوف، حتى في غياب تهديد حقيقي، على الأفراد اختيار مصادر موثوقة للأخبار، وتجنب الانجراف وراء الأخبار المثيرة للانفعال فقط.
ثانيا، يجب اعتماد مقاربة تربوية متوازنة مع الأطفال، من خلال توعيتهم بقواعد السلامة دون زرع الخوف في نفوسهم، يمكن تعليم الأطفال مهارات بسيطة للتحقق من صحة الأخبار، التمييز بين الأخبار الموثوقة والإشاعات، وفهم أن الصور والفيديوهات قد تُستخدم خارج سياقها.
الحوار المفتوح داخل الأسرة، يمكن الطفل من التعبير عن مخاوفه ومناقشة ما يراه، وهذا يشكل حماية نفسية فعالة ويقلل من الانفعالات المفرطة.
على مستوى المجتمع، يلعب الإعلام دورا أساسيا من خلال التحقق من المعلومات قبل نشرها وتجنب التهويل، كما أن التربية الإعلامية داخل المدرسة أصبحت جزءا أساسيا من بناء مواطن قادر على التعامل الواعي مع المعلومات الرقمية.
في النهاية، التعامل مع الإشاعات لا يقتصر على تصحيح المعلومات، بل يشمل بناء مجتمع أكثر وعيا، وأكثر قدرة على التفكير النقدي، يقلل من القلق الجماعي ويعزز الثقة بين الأفراد.
ما سبب انتشار أخبار اختطاف الأطفال بهذه السرعة على منصات التواصل الاجتماعي، رغم نفي الجهات الرسمية لوقوعها؟
هناك عدة عوامل تساهم في سرعة انتشار هذه الأخبار، وأهمها الطبيعة العاطفية للموضوع نفسه، الأطفال يمثلون قضية حساسة في الوعي الجماعي، لذا فإن أي خبر يتعلق بسلامتهم يثير الانفعال بسرعة أكبر، بالإضافة إلى ذلك، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا مركزيا في هذه الظاهرة، فهي ليست مجرد قنوات لنقل الأخبار، بل بيئات رقمية تحكمها خوارزميات تعطي الأولوية للمحتوى الأكثر إثارة للتفاعل والانفعال.
الدراسات العلمية، مثل دراسة Vosoughi وRoy وAral المنشورة في مجلة Science عام 2018، أظهرت أن الأخبار المثيرة للخوف أو الصدمة تنتشر أسرع بكثير من الأخبار المحايدة، هذا يعني أن أي خبر، حتى لو كان مبنيا على معطيات ناقصة أو تحريف للواقع، يكتسب انتشارا واسعا بمجرد إثارة الانفعال لدى الجمهور.
وكيف نفسر التفاعل الجماعي الكبير مع هذه الأخبار رغم نفيها من قبل السلطات؟
هذه الظاهرة يمكن تفسيرها عبر مفهوم “العدوى العاطفية” أو Emotional Contagion، الذي يشير إلى أن المشاعر تنتقل بين الأفراد من خلال التفاعل الاجتماعي، وفي الفضاء الرقمي تتحول الانفعالات الفردية بسرعة إلى حالة من القلق الجماعي.
كما أن غرف الصدى الرقمية Echo Chambers تزيد من هذا التأثير، حيث يتعرض المستخدمون لنفس الروايات بشكل متكرر، مما يولد لديهم إحساسًا مبالغًا فيه بوجود خطر واسع الانتشار، حتى وإن كانت المعطيات الواقعية لا تدعمه.
إضافة إلى ذلك، يشير هذا التفاعل إلى أن انتشار الإشاعات حول الأطفال ليس فقط نتيجة غياب التحقق من الأخبار، بل هو نتاج تفاعل معقد بين طبيعة الانفعال البشري ومنطق الخوارزميات الرقمية، ما يجعل السيطرة على هذا النوع من القلق الجماعي تحديًا كبيرًا أمام المجتمع الرقمي والمؤسسات الإعلامية على حد سواء.





