حين تغيب الحكامة… وتنتصر الوساطة على المواطن

بشرى عطوشي

رأي – لم يعد غلاء الأسعار في المغرب مجرد ظاهرة ظرفية مرتبطة بتقلبات الأسواق أو بالأزمات الدولية، بل أصبح شعوراً يومياً يثقل كاهل المواطن البسيط ويؤكد وجود خلل عميق داخل السلسلة التجارية التي يفترض أن تحمي القدرة الشرائية للمغاربة. فالمواطن اليوم لا يواجه فقط ارتفاع الأسعار، بل يواجه أيضاً شبكة معقدة من الوسطاء الذين يحولون كل سلعة أساسية إلى فرصة لمراكمة الأرباح، في غياب تدخل حازم يعيد التوازن للسوق.

ما يثير الاستغراب أكثر هو أن الحكومة، في الوقت الذي تسن فيه قوانين وتشدد الإجراءات على المواطن في مجالات متعددة، تبدو عاجزة أو مترددة عندما يتعلق الأمر بمحاربة الوسطاء الذين يقفون في قلب معادلة الغلاء. فالسلسلة التجارية من المنتج إلى المستهلك تمر في كثير من الأحيان عبر عدة حلقات غير ضرورية، كل حلقة تضيف هامش ربح جديداً، لينتهي الأمر بأسعار مضاعفة يدفع ثمنها المستهلك النهائي.

لقد أصبح واضحاً أن المشكلة ليست فقط في تكلفة الإنتاج أو النقل، بل في تضخم عدد الوسطاء داخل السوق. هؤلاء يشكلون طبقة غير مرئية في الاقتصاد، لكن تأثيرهم المباشر يظهر بوضوح في الأسواق الشعبية والمتاجر، حيث ترتفع الأسعار بشكل يفوق بكثير القيمة الحقيقية للمنتوجات. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك سياسة عملية واضحة لإعادة تنظيم هذه السلسلة أو تقليص حلقاتها.

أما لجان المراقبة وتتبع الأسعار، التي يُفترض أن تكون العين الساهرة على حماية المستهلك، فيبدو أنها تعيش في واقع موازٍ لما يعيشه المواطن. فبينما تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي يومياً بصور وفيديوهات توثق ارتفاع الأسعار بشكل صادم، تظل التقارير الرسمية غالباً مطمئنة ومجردة من الإحساس بما يجري فعلاً داخل الأسواق. فإذا كانت هذه اللجان لا تلتقط ما يضج به الفضاء الرقمي، فكيف يمكنها أن ترصد بدقة ما يحدث في الميدان؟

المفارقة الأكبر تكمن أيضاً في غياب خطاب تواصلي حقيقي من طرف الحكومة يشرح للمواطنين ما يجري ويقدم لهم رؤية واضحة للحلول. فالمتحدث باسم الحكومة، الذي يفترض أن يكون الجسر بين المؤسسات والمجتمع، يكتفي غالباً بإجابات مقتضبة لا ترقى إلى مستوى القلق المتزايد داخل الشارع المغربي. والأسوأ من ذلك أن هذا الصمت المتكرر يعطي الانطباع وكأن الحكومة تراقب المشهد من مسافة بعيدة، في حين أن المتحدث نفسه مواطن يعيش داخل نفس المجتمع ويشاهد، مثل غيره، الأسعار المرتفعة وتآكل القدرة الشرائية.

المواطن المغربي اليوم لا ينتظر خطابات مطمئنة بقدر ما ينتظر إجراءات ملموسة في الميدان: تنظيم حقيقي للأسواق، تقليص حلقات الوساطة، دعم مباشر للمنتجين الصغار، وخلق مسارات توزيع قصيرة تربط المنتج بالمستهلك دون تضخم في الأرباح. هذه الحلول ليست مستحيلة، لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى إرادة سياسية واضحة وشجاعة في مواجهة شبكات المصالح التي تستفيد من الوضع الحالي.

إن استمرار غض الطرف عن هذه المعضلة لا يعني فقط استمرار الغلاء، بل يهدد أيضاً الثقة بين المواطن والمؤسسات. فحين يشعر المواطن بأن السوق تُترك للوسطاء بينما تُشدد القوانين عليه هو، فإن الإحساس بالعدالة الاقتصادية يبدأ في التآكل.

المعادلة في النهاية بسيطة: إذا أرادت الدولة فعلاً حماية القدرة الشرائية للمغاربة، فعليها أن تبدأ من قلب المشكلة، أي من السلسلة التجارية نفسها. أما إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، فسيظل المواطن يدفع الثمن… بينما يستمر الوسطاء في جني الأرباح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى