الدبلوماسية الاستباقية للمغرب.. حين قدم المغرب الأدلة كلها وقطع العلاقات مع إيران

بشرى عطوشي

لم يكن قرار المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران سنة 2018 خطوة عابرة في سجل العلاقات الدولية، بل كان موقفاً سيادياً استباقياً حمل في طياته رسالة واضحة إلى المنتظم الدولي والعربي مفادها أن أمن الدول واستقرارها لا يقبلان المساومة أو التجاهل.

ففي فاتح ماي 2018، أعلن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة قرار الرباط قطع العلاقات مع طهران بعد تقديم ما وصفته الدبلوماسية المغربية بأدلة دامغة على تورط أطراف مرتبطة بإيران في أنشطة تمس المصالح العليا للمملكة.

وقد شملت هذه المعطيات اتهامات مباشرة بدعم وتدريب عناصر من جبهة البوليساريو عبر وساطة حزب الله، وهو ما اعتبرته الرباط تجاوزاً خطيراً لخطوط السيادة الوطنية.

اللافت في هذه الواقعة أن الخطوة المغربية لم تكن وليدة رد فعل متسرع، بل جاءت بعد مسار دبلوماسي واضح. إذ تشير معطيات متعددة إلى أن وزير الخارجية المغربي قام بزيارة إلى طهران والتقى نظيره الإيراني آنذاك محمد جواد ظريف، حيث عرض أمامه المعطيات والقرائن التي تثبت – بحسب بعض المعطيات – وجود تحركات إيرانية تمس أمن المملكة.

غير أن تلك المعطيات لم تلقَ التجاوب المطلوب، ما دفع الرباط إلى اتخاذ قرار سيادي حاسم تمثل في استدعاء السفير المغربي من طهران وإغلاق صفحة العلاقات الدبلوماسية.

هذا الموقف يضع المغرب اليوم في موقع الدولة التي سبقت إلى التحذير من اختراقات إقليمية تتجاوز حدود الشرق الأوسط. فبينما كانت بعض الدول تتعامل بحذر أو تردد مع تمدد النفوذ الإيراني في عدد من المناطق، اختارت الرباط إعلان موقف واضح يستند إلى معطيات أمنية وسياسية دقيقة.

إن الرسالة التي وجهها المغرب آنذاك إلى المنتظم الدولي والعربي ما تزال قائمة: حماية الاستقرار الإقليمي تتطلب وضوحاً في المواقف وتعاوناً حقيقياً في مواجهة أي تدخلات تمس سيادة الدول. فالأمن لا يتجزأ، وأي نشاط يستهدف زعزعة استقرار دولة ما يمكن أن يمتد أثره إلى محيط أوسع.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الدبلوماسية المغربية لم تكتفِ بإعلان موقف سياسي، بل قدمت نموذجاً في كيفية تحويل المعطيات الأمنية إلى موقف سيادي واضح. وهو ما يدعو اليوم إلى إعادة قراءة تلك الخطوة في سياق التحولات الجيوسياسية الحالية، حيث تتزايد الحاجة إلى تنسيق عربي ودولي أكثر صرامة في مواجهة التحديات العابرة للحدود.

لقد اختار المغرب أن يتصرف مبكراً، وأن يضع الحقائق على الطاولة قبل أن تتفاقم الأزمات. وهو سبق دبلوماسي يفرض على المنتظم الدولي والعربي التوقف عنده، ليس فقط بوصفه حدثاً عابراً، بل باعتباره تجربة في الدفاع عن السيادة والاستقرار في زمن تتشابك فيه التحديات الإقليمية والدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى