خلاف على “كعكة” رخصة السكن يُشعل حرب الكواليس بين رئيس جماعة وسمسار في طنجة

حسين العياشي
خبر _ يبدو أن خلافا صاخبا بدأ يتشكل في كواليس مدينة طنجة، حيث تحوّل ملف عقاري كان لسنوات حبيس رفوف الإدارة بسبب مخالفات التعمير، إلى شرارة مواجهة غير معلنة بين رئيس جماعة معروف وأحد الوسطاء الذين اعتادوا التحرك في الظل لتسهيل الملفات المعقدة. مواجهة لم تعد مجرد همس في المجالس المغلقة، بل قصة تتسع رقعتها تدريجيا في الصالونات السياسية والعقارية، بعدما اختلطت فيها السياسة بالعقار والمال.
في تلك الدوائر التي تتقاطع فيها المصالح، بدأ خلال الأيام الأخيرة يتردد حديث متزايد عن قطيعة مفاجئة بين المسؤول الجماعي ووسيط كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره أحد مفاتيح المرور في بعض الملفات الحساسة. الرجل، الذي اشتغل طويلا بعيدا عن الأضواء، لم يكن مجرد متتبع لما يجري في الكواليس، بل كان جزءا من تفاصيلها الدقيقة، الأمر الذي جعله يحتفظ بمعطيات كثيرة حول كيفية تدبير بعض القضايا التي كانت تتطلب قدرا كبيرا من “المرونة” لتجاوز تعقيداتها.
غير أن هذا الصمت الطويل بدأ يتصدع في الآونة الأخيرة، بعدما تحوّل الخلاف إلى مواجهة مكتومة يتحدث عنها المقربون في جلسات خاصة. فبحسب المعطيات المتداولة، وجد الوسيط نفسه فجأة خارج دائرة الترتيبات التي اعتاد أن يكون طرفا فيها، وهو ما دفعه إلى التلويح بكشف ما يعتبره أسرارا مرتبطة بمرحلة دُبّرت خلالها ملفات حساسة بعيدا عن أعين المتابعين.
وتتحدث الروايات المتقاطعة داخل بعض الصالونات العقارية والسياسية عن أن أصل الخلاف يعود إلى ملف يتعلق بعمارة فاخرة تضم عشرات الشقق، ظل مشروعها معلقا لفترة طويلة بسبب غياب رخصة السكن. فقد بقي هذا الملف مجمدا داخل ردهات الجماعة نتيجة ملاحظات مرتبطة بمخالفات واضحة للتصميم الذي صادقت عليه اللجنة المختصة، إلى جانب تجاوزات تمس ضوابط التعمير، وهو ما جعل إصدار الرخصة متوقفا عند ما يشبه “الفيتو” الإداري.
غير أن المفارقة التي أعادت القصة إلى الواجهة تكمن في أن هذا المشروع، الذي ظل متوقفا لسنوات بسبب تلك الاختلالات، وجد طريقه فجأة إلى الانفراج، بعدما تم الإفراج عن رخصة السكن التي كانت غائبة، وهو تطور أثار الكثير من التساؤلات في الأوساط المحلية حول الكيفية التي تغيّر بها مسار الملف في وقت قياسي.
في قلب هذه الحكاية تقف مسألة عمولة مالية قُدّرت، بحسب ما يتم تداوله، بنحو 150 مليون سنتيم. ويُقال إن هذا المبلغ ارتبط بتسهيل مسطرة الإفراج عن رخصة السكن الخاصة بالمشروع العقاري، غير أن توزيع هذه “الكعكة” كان كفيلا بإشعال فتيل الخلاف. فالرواية المتداولة في الكواليس تشير إلى أن الوسيط كان ينتظر نصيبه من هذه العمولة، قبل أن يكتشف في اللحظات الأخيرة أنه خرج من الحسابات.
وتذهب بعض الأحاديث إلى أن رئيس الجماعة تسلم المبلغ كاملا، قبل أن يطلب من الوسيط التوجه إلى المنعش العقاري لتحصيل مستحقاته، غير أن الأخير رد، وفق ما يتردد، بأن ما طُلب منه قد دُفع بالفعل، وأنه لا يملك ما يضيفه. عند تلك النقطة، تحولت القصة من مجرد خلاف مالي إلى صراع مكتوم أخذ يتسع تدريجيا خارج حدود الملف نفسه.
فالوسيط الذي وجد نفسه خارج اللعبة، بعدما كان يعتبر نفسه جزءا أساسيا من مسار “تسوية” الملف، لم يتقبل أن يغادر المشهد خالي الوفاض. ومنذ ذلك الحين، بدأ، بحسب ما يتردد في الكواليس، يلوّح بكشف معطيات وصفها بـ“الخطيرة جدا”، متوعدا بإخراج تفاصيل ما جرى إلى العلن في لقاءات خاصة ومجالس مغلقة، وهو ما جعل القصة تنتشر بسرعة في أوساط المدينة وتتحول إلى موضوع حديث متداول في المقاهي واللقاءات غير الرسمية.
ومع اتساع دائرة الحديث عن هذه الواقعة، بدأت التساؤلات تتزايد حول الخلفيات الحقيقية لهذا التحول المفاجئ في مسار ملف عمراني ظل معلقا لسنوات. فهل كان الأمر يتعلق فعلا بمحاولة لتسريع حل مشروع ظل متوقفا بسبب تعقيدات إدارية، أم أن المبلغ المتداول، والذي يصل إلى 150 مليون سنتيم، كان العامل الذي أعاد تشغيل عجلة القرار وغير اتجاهه؟
في انتظار ما إذا كانت هذه الروايات ستبقى مجرد أحاديث تتناقلها الكواليس، أو ستتحول إلى معطيات تستدعي مساءلة رسمية، يبقى المؤكد أن هذه القصة خرجت بالفعل من دائرة الهمس الضيق إلى فضاء التداول الأوسع، وأن تداعياتها قد تفتح الباب أمام أسئلة محرجة حول ما يجري في بعض المناطق الرمادية التي تتقاطع فيها السلطة بالعقار والمال.





