حفظ شكاية ضد قيادي استقلالي يشعل النقاش حول قيود متابعة جرائم المال العام

حسين العياشي

كشف قرار قضائي حديث عن مآل شكاية أثارت اهتماماً واسعاً، بعدما قرر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بفاس حفظ الشكاية الموجهة ضد القيادي الاستقلالي ورئيس مجلس جهة فاس مكناس عبد الواحد الأنصاري، والتي تضمنت اتهامات مرتبطة باستغلال النفوذ، في خطوة أعادت النقاش إلى الواجهة حول كيفية التعاطي مع قضايا المال العام في ظل التحولات القانونية الجديدة.

القرار، بحسب معطيات متطابقة، جاء عقب دراسة الشكاية من طرف النيابة العامة المختصة، قبل أن يتم حفظها استناداً إلى المقتضيات الجديدة التي أقرها قانون المسطرة الجنائية، وهو ما يعكس تحوّلاً لافتاً في شروط تحريك الأبحاث والمتابعات في هذا النوع من القضايا.

فالمادة الثالثة من القانون رقم 03.23 وضعت مسطرة دقيقة لمباشرة المتابعات المرتبطة بالجرائم الماسة بالمال العام، إذ لم يعد بالإمكان تحريك الدعوى العمومية بشكل مباشر، بل أصبح ذلك مشروطاً بطلب من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة، بناءً على إحالة من هيئات رقابية مختصة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، أو تقارير صادرة عن المفتشيات العامة أو الهيئات المخول لها قانوناً.

هذا الإطار الإجرائي الجديد، الذي يسعى إلى تأطير المتابعات وضمان استنادها إلى معطيات دقيقة وتقارير رسمية، يطرح في المقابل تساؤلات حول أثره على دينامية التفاعل مع الشكايات المرتبطة بالفساد المالي، خاصة في الحالات التي لا تستند إلى إحالات مؤسساتية مسبقة.

ويأتي هذا التطور في سياق نقاش سياسي وقانوني متصاعد، زاد من حدته الجدل الذي أثارته تصريحات لوزير العدل داخل البرلمان، حين أشار إلى أن عدداً من الشكايات يتم حفظها بعد عرضها على النيابة العامة، في إشارة فُهمت على أنها تعكس طبيعة المرحلة الجديدة التي باتت تؤطر التعاطي مع هذا النوع من الملفات.

وفي هذا السياق، لا يُفهم قرار الحفظ فقط باعتباره إجراءً مرتبطاً بمضمون الشكاية، بل أيضاً كنتيجة مباشرة لتفعيل مقتضيات قانونية جديدة تعيد رسم حدود التدخل القضائي في قضايا المال العام، وتربطه بمسار مؤسساتي محدد يمر عبر قنوات رقابية رسمية.

كما يعيد هذا القرار طرح سؤال التوازن بين ضرورة احترام الضوابط القانونية المؤطرة للمتابعة القضائية، وبين متطلبات تعزيز الشفافية وضمان فعالية آليات محاربة الفساد، خاصة في ظل انتظارات مجتمعية متزايدة بخصوص ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وبين من يعتبر هذه المقتضيات خطوة نحو تنظيم أكثر صرامة وفعالية للمساطر القضائية، ومن يرى فيها قيوداً قد تحد من سرعة التفاعل مع قضايا الفساد، يظل هذا الملف مؤشراً على مرحلة انتقالية دقيقة في تدبير قضايا المال العام بالمغرب، حيث تتقاطع رهانات الأمن القانوني مع تطلعات المجتمع إلى عدالة ناجزة ومساءلة حقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى