وزير العدل: الخبراء القضائيون يكتبون الأحكام من خلف الستار

حسين العياشي
ناقشت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، برئاسة سعيد بعزيز وبحضور وزير العدل عبد اللطيف وهبي، مشروع قانون رقم 01.24 المتعلق بالخبراء القضائيين، لتتحول الجلسة سريعاً من عرض تقني للنص إلى تحليل معمق للاختلالات البنيوية التي يعانيها هذا القطاع الحيوي داخل منظومة العدالة المغربية.
وفي هذا السياق أقرّ وهبي، بنبرة صريحة لا تخلو من القلق، بأن ملف الخبراء القضائيين يشكّل إحدى أعقد العقد داخل القضاء المغربي، معتبراً أن تأثيرهم لا يقف عند حدود إبداء الرأي التقني، بل يمتد في كثير من الأحيان إلى تشكيل القناعة القضائية، بل وصياغة الأحكام من خلف الستار.

كما أوضح وزير العدل، خلال المناقشة التفصيلية للنص القانوني، أن الإشكال يبدأ من طبيعة الوظيفة القضائية نفسها، حيث يجد القاضي نفسه مضطراً للاعتماد على خبرات تقنية لا يملك تفاصيلها الدقيقة، ما يجعل تقرير الخبير عنصراً حاسماً في توجيه مسار الحكم. وفي هذا السياق، شدد على أن اللجوء إلى الخبرة يفترض أن يكون وسيلة لبناء قناعة قائمة على معطيات علمية دقيقة، غير أن الواقع يكشف عن اختلالات تستدعي إعادة النظر في آليات التأطير والمراقبة.
ولم يُخف المسؤول الحكومي حجم التأثير الذي يمارسه الخبراء داخل المحاكم، مشيراً إلى وجود تساهل في التعامل معهم، خاصة من طرف النيابة العامة، وهو ما يفرض، بحسب تعبيره، إخضاع هذه الفئة لإطار قانوني وتنظيمي أكثر صرامة، دون المساس باستقلاليتهم المهنية. وأكد أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين التأطير والحرية المهنية، موضحاً أن استقلالية الممارسة لا تعني الاشتغال خارج ضوابط الدولة وقوانينها.
وفي لحظة لافتة، اختزل وهبي عمق الإشكال بعبارة مباشرة حين أقرّ بصعوبة إيجاد الصيغة المثلى للتعامل مع هذا الملف، معتبراً أن القضية لا تطرح فقط إشكالاً قانونياً، بل تمتد إلى بعد أخلاقي يرتبط بكيفية ضمان نزاهة الخبرة ومصداقيتها داخل المسار القضائي.
وكشف الوزير عن نقاشات جرت مع مسؤولين قضائيين، من بينهم محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بخصوص إمكانية استقطاب قضاة من تخصصات تقنية كالهندسة، على أن يخضعوا لتكوين قانوني يمكنهم من الإلمام بالجوانب القضائية، بما يعزز قدرة القضاء على التعامل مع الملفات التقنية المعقدة دون الارتهان الكامل لتقارير الخبراء.
كما أشار إلى إشكالات عملية تبرز في تحديد القيم العقارية، حيث يلجأ بعض الخبراء إلى تقديرات قد لا تنسجم مع المعطيات الرسمية المتوفرة لدى الإدارات العمومية، وهو ما يفتح النقاش حول ضرورة توحيد مصادر المعطيات وتعزيز التنسيق بين المؤسسات لتفادي تضارب التقديرات.
وبين اعتراف بصعوبة ضبط هذا المجال، وسعي إلى إعادة تنظيمه ضمن إطار قانوني أكثر إحكاماً، يبدو أن ورش إصلاح الخبرة القضائية يضع العدالة المغربية أمام اختبار دقيق، عنوانه بناء توازن جديد بين سلطة القاضي وحدود تأثير الخبير، في أفق ترسيخ قضاء أكثر دقة وشفافية.





