أطفال القرى في مواجهة البرد والظلام.. التامني تحمّل الساعة الإضافية مسؤولية الهدر المدرسي

حسين العياشي
أعادت النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء التامني ملف الساعة الإضافية إلى واجهة الجدل العمومي، بعد خروجها بموقف حاد وجّهت فيه انتقادات مباشرة لرئيس الحكومة ووزير التربية الوطنية، معتبرة أن هذا الإجراء تجاوز كونه خياراً تنظيمياً إلى كونه عامل ضغط اجتماعي يمس في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويعيد طرح سؤال العدالة المجالية في واحدة من أكثر القضايا التصاقاً بالحياة اليومية للمغاربة.
وانطلقت التامني في موقفها من زاوية اجتماعية صريحة، حيث ربطت بين اعتماد التوقيت الإضافي وبين تفاقم ظاهرة الهدر المدرسي، خصوصاً في المناطق القروية، مؤكدة أن عدداً متزايداً من الأسر يجد نفسه أمام معادلة قاسية، بين الحفاظ على تمدرس الأبناء وبين ضمان سلامتهم في ظروف لا توفر الحد الأدنى من الشروط الملائمة. فبالنسبة لكثير من التلاميذ، لم يعد الالتحاق بالمؤسسات التعليمية مجرد التزام يومي، بل تحول إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، تبدأ في ساعات الفجر الأولى، وسط الظلام والبرد، وعلى امتداد مسافات طويلة في غياب وسائل نقل كافية وآمنة.
هذا الواقع، الذي وصفته البرلمانية بأنه يغيب عن عدسة السياسات العمومية، يكشف، وفق قراءتها، عن خلل في ترتيب الأولويات، حيث يتم الترويج لمكاسب اقتصادية مفترضة للساعة الإضافية، في مقابل تجاهل كلفتها الاجتماعية المباشرة، خاصة على الفئات الهشة. فالتدابير التي يُفترض أن تخدم النجاعة الاقتصادية، لا يمكن، بحسب هذا الطرح، أن تبرر نتائج قد تؤدي إلى إقصاء غير مباشر لآلاف الأطفال من حقهم الدستوري في التعليم.
وفي سياق نقدها، شددت التامني على أن الأثر الاقتصادي الذي يُقدَّم كأحد مبررات اعتماد هذا التوقيت يظل بعيداً عن الواقع الملموس للمواطنين، الذين لا يلمسون أي تحسن فعلي في قدرتهم الشرائية أو في ظروف عيشهم اليومية. في المقابل، يعيشون، وفق تعبيرها، ارتباكاً مستمراً في إيقاع حياتهم، سواء داخل الأسر أو في الفضاء المدرسي، حيث ينعكس هذا التوقيت على تركيز التلاميذ وأدائهم، ويعمّق اختلالات قائمة داخل المنظومة التربوية.
ويعكس هذا الموقف تحوّلاً لافتاً في طبيعة النقاش العمومي حول الساعة الإضافية، الذي لم يعد محصوراً في اعتبارات تقنية مرتبطة بتزامن التوقيت مع الشركاء الاقتصاديين أو بترشيد استهلاك الطاقة، بل اتسع ليشمل أبعاداً اجتماعية وتربوية ونفسية، تلامس بشكل مباشر جودة عيش المواطنين وتوازنهم اليومي.
كما يفتح هذا النقاش الباب أمام مساءلة أعمق للسياسات العمومية، خاصة في ما يتعلق بقدرتها على تحقيق توازن حقيقي بين متطلبات الاقتصاد وضمان الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في التعليم. فمنتقدو الساعة الإضافية يرون أن أي إصلاح لا يمكن أن يُبنى على حساب الفئات الهشة، ولا أن يحقق مكاسب نظرية إذا كانت كلفته الاجتماعية مرتفعة وغير متكافئة.
وفي خضم هذا الجدل المتجدد، تعود الساعة الإضافية لتتحول إلى ملف سياسي بامتياز، تتقاطع فيه رهانات الإصلاح مع إكراهات الواقع الاجتماعي، وتُطرح من خلاله أسئلة عميقة حول طبيعة الاختيارات العمومية وحدود تأثيرها على الفئات الأكثر هشاشة. وبين من يدافع عن استمرارها باعتبارها خياراً استراتيجياً، ومن يطالب بإلغائها بدعوى كلفتها الاجتماعية، يظل النقاش مفتوحاً على احتمالات متعددة، في انتظار تقييم شامل يوازن بين منطق الأرقام وواقع الإنسان.





