زلزال سياسي بمكناس.. تجريد ثلاثة منتخبين من الأحرار يعيد رسم موازين القوى

حسين العياشي
فخلف هذا القرار، الذي استند إلى مسطرة قانونية مبنية على مخالفة قواعد الانتماء الحزبي، تتكشف تفاصيل صراع سياسي معقد، بدأ حين قرر الحزب الانتقال إلى صفوف المعارضة عقب فقدانه رئاسة المجلس، غير أن المنتخبين الثلاثة اختاروا الاصطفاف إلى جانب الرئيس الحالي ومكونات الأغلبية المسيرة، في خطوة اعتُبرت خروجاً عن القرار التنظيمي للحزب، لتتحول لاحقاً إلى نزاع انتهى بالتجريد.
غير أن ما يمنح هذه الواقعة بعدها السياسي الأعمق، ليس فقط قرار التجريد في حد ذاته، بل السياق الذي يأتي فيه، والذي يكشف عن هشاشة غير مسبوقة في منطق الاصطفاف السياسي داخل المجلس. فالحزب الذي فعّل مسطرة التجريد بدعوى الانضباط لقراره بالتموقع في المعارضة، يستعد اليوم، بحسب المعطيات المتداولة، للعودة إلى الاصطفاف إلى جانب نفس الأغلبية التي عاقب منتخبين بسبب دعمها.
هذا التحول السريع، الذي يكاد يختزل الزمن السياسي في مفارقة واحدة، يطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق اتخاذ القرار داخل الأحزاب، وحول حدود الالتزام بالمواقف المعلنة، خاصة حين تتحول التحالفات إلى مجرد أوراق قابلة لإعادة الترتيب وفق حسابات ظرفية، لا وفق رؤية سياسية واضحة أو تعاقد انتخابي مع المواطنين.
وفي قلب هذا المشهد، تبدو مدينة مكناس وكأنها تدفع كلفة هذا الارتباك السياسي، حيث تتحول المؤسسة المنتخبة إلى فضاء لتصفية الحسابات التنظيمية أكثر منها فضاءً لإنتاج السياسات العمومية المحلية. فبدل أن ينصب النقاش حول أولويات التنمية والتدبير، ينشغل الفاعلون السياسيون بإعادة ترتيب المواقع والتحالفات، في مشهد يعكس اختلالاً في ترتيب الأولويات.
كما أن واقعة تجريد منتخبين بسبب الاصطفاف مع الأغلبية، مقابل استعداد الحزب نفسه للعودة إلى نفس الموقع، تعيد طرح سؤال المصداقية السياسية، ليس فقط على مستوى الخطاب، بل أيضاً على مستوى الممارسة. إذ كيف يمكن تبرير معاقبة سلوك سياسي في لحظة معينة، ثم تبنيه لاحقاً كخيار مشروع؟
هذا التناقض لا يقف عند حدود المواقف، بل يمتد إلى صورة العمل السياسي محلياً، حيث تتآكل الثقة في المؤسسات المنتخبة حين تبدو القرارات الحزبية أقرب إلى منطق التموقع التكتيكي منها إلى التزام مبدئي ثابت. وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع تعتبر أن ما يجري لا يعكس فقط صراعاً داخلياً، بل يعكس أزمة أعمق في تدبير العلاقة بين الحزب ومنتخبيه، وبين الالتزام التنظيمي والواقع السياسي المتحرك.
وبين قرار تجريد استُخدم لتكريس الانضباط الحزبي، واستعداد للعودة إلى نفس الموقع الذي كان سبباً في هذا القرار، يبرز مشهد سياسي مرتبك يعكس حجم التناقضات التي تطبع تدبير الشأن المحلي بمكناس، ويطرح بإلحاح سؤالاً جوهرياً: هل أصبحت التحالفات السياسية مجرد أدوات ظرفية، أم أن المدينة تحتاج فعلاً إلى إعادة تعريف قواعد اللعب السياسي بما يضع مصلحة الساكنة فوق حسابات المواقع؟





