دراسة تكشف المستور: الأمن المائي بالمغرب يواجه أخطر اختبار في تاريخه

حسين العياشي

سجّلت أزمة الماء في المغرب تحوّلاً عميقاً من كونها إشكالاً ظرفياً مرتبطاً بندرة التساقطات إلى أزمة بنيوية مركبة، تتداخل فيها العوامل المناخية مع الاختلالات المجالية وضعف الحكامة، في مشهد يكشف أن الأمن المائي لم يعد مجرد تحدٍ تقني، بل أصبح رهانا استراتيجيا يمسّ استقرار البلاد ومستقبلها التنموي.

فالمعطيات التي كشفت عنها الدراسة الأكاديمية المنشورة ضمن أعمال “المجلة الدولية للعلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية” ترسم صورة دقيقة لأزمة تتسع رقعتها بصمت، حيث لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بتوالي سنوات الجفاف، بل أيضاً بالضغط المتزايد الناتج عن النمو الديمغرافي والتوسع العمراني غير المتحكم فيه، والذي يرفع الطلب على المياه بوتيرة تفوق قدرة البنيات التحتية الحالية على الاستجابة.

وفي قلب هذه التحولات، يتضح أن المدن المغربية، التي تشهد توسعاً سريعاً، أصبحت بؤراً جديدة للضغط على الموارد المائية، في ظل شبكات توزيع تعاني في كثير من الأحيان من التقادم وضعف النجاعة، وهو ما يترجم إلى اختلال واضح بين العرض والطلب، وتفاوتات مجالية حادة في الولوج إلى الماء، سواء بين المدن والقرى أو داخل المجال الحضري نفسه.

غير أن الأزمة لا تقف عند حدود التوزيع، بل تمتد إلى عمق المنظومة البيئية، حيث تشير الدراسة إلى استنزاف مقلق للمياه الجوفية في عدد من الأحواض، مع تسجيل انخفاضات حادة في منسوبها، إلى جانب تدهور جودة المياه بفعل التملح والتلوث الناتج عن الاستعمال المكثف للمواد الكيماوية في القطاع الفلاحي، وهو ما يهدد استدامة هذا المورد الحيوي.

وفي موازاة ذلك، يتفاقم خطر التصحر في مناطق واسعة من البلاد، خاصة في الجهات الشرقية والجنوبية، حيث يؤدي تدهور الغطاء النباتي وتآكل التربة إلى تقليص القدرة الطبيعية على تخزين المياه، ما يعمق هشاشة المنظومة المائية ويزيد من تعقيد التحديات المرتبطة بها.

وتضع الدراسة هذه المؤشرات في سياق أوسع يرتبط بتداعيات التغيرات المناخية، التي جعلت المغرب من بين المناطق الأكثر هشاشة في حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث يُسجَّل تراجع ملحوظ في معدلات التساقطات، مقابل تزايد وتيرة سنوات الجفاف، ما أدى إلى انخفاض نصيب الفرد من الموارد المائية إلى مستويات تقترب من عتبة الإجهاد المائي الحاد.

وأمام هذه التحولات، تؤكد الدراسة أن المقاربة التقليدية القائمة على تعبئة الموارد عبر بناء السدود لم تعد كافية، داعية إلى تبني نموذج أكثر مرونة يقوم على تنويع مصادر المياه، من خلال تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتعزيز كفاءة الاستهلاك، إلى جانب إدماج التكنولوجيا الرقمية في تدبير الشبكات والتنبؤ بالمخاطر.

كما تستحضر الدراسة تجارب دولية ناجحة، مثل الأردن وإسرائيل، التي استطاعت مواجهة الندرة عبر اعتماد تقنيات متقدمة في الري، والتحول نحو زراعات أقل استهلاكاً للمياه، وربط مشاريع التحلية بالطاقات المتجددة، وهو ما يبرز أن جوهر الحل لا يكمن فقط في وفرة الموارد، بل في حكامة تدبيرها.

وفي السياق ذاته، تبرز أهمية التعاون الدولي والدبلوماسية المائية، حيث لم يعد الأمن المائي شأناً وطنياً صرفاً، بل أصبح رهيناً بشبكات التعاون الإقليمي والدولي، سواء من خلال نقل التكنولوجيا أو تعبئة التمويلات أو تبادل الخبرات، وهو ما يمنح المغرب هامشاً لتعزيز موقعه داخل الفضاء الإفريقي، خاصة في إطار مبادرات التعاون جنوب–جنوب.

وتتوقف الدراسة عند مشاريع الربط بين الأحواض المائية التي انخرط فيها المغرب، باعتبارها خياراً استراتيجياً لإعادة توزيع الموارد بين الجهات، حيث مكنت بعض هذه المشاريع من نقل كميات مهمة من المياه إلى مناطق تعاني خصاصاً حاداً، غير أن فعاليتها تظل مشروطة باندماجها ضمن رؤية شمولية تضمن الاستدامة والعدالة المجالية.

لكن، ورغم تعدد البرامج والاستراتيجيات، تكشف الدراسة عن أعطاب بنيوية في الحكامة، أبرزها ضعف التنسيق بين المتدخلين، ومحدودية آليات التتبع والتقييم، إلى جانب غياب مقاربة مجالية مندمجة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل جهة، وهو ما يقلل من نجاعة السياسات العمومية ويحدّ من أثرها الفعلي على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، تؤكد الدراسة أن ضمان الحق في الماء، كما ينص عليه الدستور المغربي والمواثيق الدولية، يقتضي إعادة بناء نموذج حكامة مائية جديد، يقوم على التوازن بين النجاعة الاقتصادية والاستدامة البيئية والعدالة المجالية، مع إشراك المواطن كفاعل أساسي في تدبير هذا المورد الحيوي.

وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل الأمن المائي في المغرب لن يُحسم فقط عبر الحلول التقنية، بل عبر إرساء ثقافة مائية جديدة، تقوم على ترشيد الاستهلاك، وتعزيز التضامن المائي بين الجهات، والاعتراف بالماء كحق إنساني أساسي، لا كمجرد مورد اقتصادي.

وبين تسارع التغيرات المناخية وتزايد الضغط الديمغرافي، يبدو أن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد السؤال المطروح هو كيف نؤمن الماء فقط، بل كيف نعيد التفكير في طريقة تدبيره، بما يضمن استدامته للأجيال القادمة، ويحول هذا التحدي إلى فرصة لإعادة بناء نموذج تنموي أكثر توازناً وإنصافاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى