انتشار “الحلوف” يفرض السؤال.. هل فشلت الاستراتيجيات الوطنية؟

أميمة حدري

أصبح انتشار الخنزير البري، المعروف محليا بـ”الحلوف”، ظاهرة بيئية مقلقة في العديد من مناطق المغرب، ويطرح تساؤلات عميقة حول فاعلية السياسات الوطنية في القضاء على هذا الحيوان البري.

البيانات الميدانية تشير إلى أن أعداد هذا الحيوان في تزايد مستمر، خاصة في الأقاليم الجبلية والسهول الزراعية، حيث يتسبب في خسائر كبيرة على المزروعات، ويهدد سلامة المواطنين، ويشكل ضغطا مباشرا على الفلاحين الذين يجدون أنفسهم أمام خطر دائم يصعب التنبؤ به والسيطرة عليه.

ويتميز هذا الحيوان بقدرة عالية على التكيف مع مختلف البيئات، ما يسمح له بالتوسع بسرعة تفوق قدرة السلطات على السيطرة، خصوصا في ظل غياب رصد منهجي دقيق لانتشار أعداده وتوزيعها الجغرافي.

الاستراتيجيات الوطنية الحالية، تعتمد بدرجة كبيرة على التدخلات المؤقتة والمحدودة، والتي غالبا ما تتخذ شكل مبادرات محلية أو تدخلات متفرقة من بعض الجمعيات والهيئات. هذه الحلول، على الرغم من أهميتها في تخفيف الضرر على المستوى المحلي، تبقى سطحية ولا تعالج الأسباب الجذرية، ولا توفر آليات لمنع تزايد أعداد الخنزير البري أو مراقبة تحركاته على المدى الطويل.

ومع تفاقم الظاهرة، برزت فرقة “الحياحة” كمبادرة تطوعية محلية تعتمد على شباب متطوعين وكلاب مدربة لتعقب وإخافة الخنزير البري، مستجيبة لنداءات الساكنة في مناطق متعددة عبر التراب الوطني.

وتعمل هذه الفرق وفق أساليب تقليدية تقوم على الضجيج وإحداث أصوات عالية لدفع “الحلوف” بعيدا عن التجمعات السكنية، معتمدين على خبرتهم الميدانية في المسالك الوعرة والمناطق الجبلية.

ورغم أن هذه المبادرات تلقى تقديرا محليا، إلا أنها لا تعالج الظاهرة من جذورها، ولا توفر حلولا مستدامة للتحكم في أعداد الخنزير البري المتنامية، في ظل ضعف التنسيق بين القطاعات المختلفة، بما فيها وزارة الفلاحة، مصالح المياه والغابات، والجمعيات المهنية، يضاعف من صعوبة تنفيذ أي خطة وطنية شاملة، ويترك مناطق واسعة دون حماية فعالة.

كما أن التوسع العمراني والزراعي في المناطق التي يكثر فيها هذا الحيوان يزيد من احتكاك الإنسان بالحياة البرية، ويضاعف من المخاطر، ما يفرض إعادة النظر في العلاقة بين التخطيط الحضري والزراعي والرقابة البيئية، ووضع آليات تمنع التوسع العشوائي الذي يسهل وصول الخنزير البري إلى التجمعات السكنية والمزارع. الاستراتيجيات الحالية، بما تفتقر إليه من دمج بين التخطيط المكاني والسياسات البيئية والتدخل العلمي المنهجي، لم تستطع أن تحقق الحماية الفعلية للساكنة أو الحد من الأضرار الاقتصادية المتكررة.

وكانت تعالت أصوات برلمانية، مطالبة بضرورة بدراسة إمكانية تصدير لحوم الخنزير البري إلى الخارج، كآلية اقتصادية لتقليص الأضرار التي يتسبب فيها هذا الحيوان للفلاحين في عدد من المناطق، إلا أن هذه المطالب لم تجد لها صدى في مراكز القرار.

وبحسب فعاليات محلية، فإن معالجة الظاهرة تتطلب خطة وطنية متكاملة تشمل الرصد العلمي المستمر، التحكم في التكاثر، وضع خرائط دقيقة للمخاطر، وتدخلات وقائية منظمة، إلى جانب برامج توعية طويلة المدى للمزارعين والمواطنين، ما يضمن حماية البيئة، سلامة المجتمع، واستدامة النشاط الزراعي.

غياب هذه السياسات المنهجية يجعل من أي حلول جزئية مجرد مسكن مؤقت، بينما الظاهرة تستمر في التوسع، مهددة بالتفاقم على مستويات متعددة، وهو ما يفرض على السلطات إعادة النظر في السياسات الوطنية ووضع إطار شامل لمواجهة انتشار الخنزير البري بفعالية وواقعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى