بين السرعة والحسابات السياسية.. التامني تنتقد “حمّى القوانين” مع نهاية الولاية

حسين العياشي
يفتتح مجلس النواب دورته الربيعية على إيقاع سياسي وتشريعي متسارع، حيث تتقاطع رهانات نهاية الولاية مع ضغط تمرير حزمة من النصوص القانونية في زمن قياسي، في مشهد يوحي بسباق محموم مع الزمن، لكنه يكشف في العمق عن إشكال أعمق يتجاوز منطق السرعة إلى سؤال المعنى: أي تشريع يُنتج اليوم؟ ولأي غاية؟
فهذا التسارع، الذي يقدَّم في كثير من الأحيان كدليل على حيوية المؤسسة التشريعية، يخفي خلفه هاجساً رقمياً واضحاً، قوامه تضخيم الحصيلة التشريعية قبل إسدال الستار على الولاية الحالية. غير أن هذا المنطق لم يمر دون إثارة نقاش نقدي داخل البرلمان، حيث اختارت النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء التامني أن تنقل الجدل من مستوى الكم إلى مستوى الكيف، معتبرة أن القيمة الحقيقية لأي عمل تشريعي لا تُقاس بعدد القوانين، بل بجودتها وقدرتها على ملامسة الواقع والاستجابة لحاجيات المجتمع.
وفي قراءة تفكيكية للمشهد، تذهب التامني في تصريحها لـ“إعلام تيفي”، إلى أن التجربة البرلمانية خلال السنوات الأخيرة أبانت عن اختلال بنيوي في توازن الأدوار داخل المؤسسة، إذ لم يتمكن البرلمان، وفق تقديرها، من ممارسة وظائفه الدستورية بشكل متكامل، سواء على مستوى التشريع أو الرقابة. فقد تحوّل، في محطات عديدة، إلى فضاء للتصديق السريع على مشاريع القوانين الحكومية، بدل أن يكون مجالاً للنقاش العمومي المنتج وصياغة الاختيارات التشريعية الناضجة.
هذا التحول لا يرتبط فقط بآليات الاشتغال أو إكراهات المسطرة، بل يعكس، في نظرها، خللاً سياسياً أعمق يتجلى في هيمنة منطق الأغلبية العددية، مقابل تراجع المبادرة التشريعية البرلمانية، واستمرار تفوق الحكومة في إنتاج النصوص الكبرى، إلى جانب محدودية الأثر الرقابي رغم كثافة الأسئلة البرلمانية. وهي مؤشرات، مجتمعة، تطرح بإلحاح سؤال الاستقلالية: هل يمارس البرلمان سلطته بوصفه فاعلاً دستورياً مستقلاً، أم أنه يتحرك داخل هامش تضبطه توازنات الأغلبية؟
وتزداد حدة هذا السؤال في سياق دورة توصف ضمنياً بمنطق “العد العكسي”، حيث يُراد تمرير أكبر عدد ممكن من النصوص قبل نهاية الولاية. غير أن هذا التسارع، كما تحذر التامني، لا يخلو من كلفة تشريعية مرتفعة، إذ إن إنتاج قوانين تحت ضغط الزمن غالباً ما يفضي إلى نصوص مرتبكة، تفتقد للانسجام، وقابلة لتعدد التأويلات، بما ينعكس سلباً على الأمن القانوني واستقرار المعاملات.
وتلفت النائبة إلى أن الخطر لا يكمن فقط في ضعف جودة النصوص، بل أيضاً في تمرير مقتضيات تمس الحقوق والحريات دون نقاش عمومي كافٍ، ما يحول بعض القوانين إلى “أمر واقع تشريعي” يُفرض على المجتمع، قبل أن يتم تداركه لاحقاً عبر تعديلات ترقيعية. وهو ما يعكس، في جوهره، اختلالاً في منهجية إعداد القوانين، وغياب تقييم قبلي جدي لآثارها القانونية والاجتماعية.
وفي قلب هذا النقاش، تبرز الدورة الربيعية الحالية كاختبار حقيقي لقدرة البرلمان على استعادة توازنه المؤسساتي، خاصة في ظل ملفات حساسة مطروحة على جدول الأعمال، تمتد من مجالات الصحافة والتنظيمات المهنية إلى قضايا التقاعد والنصوص ذات الطابع الزجري، وهي ملفات تستدعي، بطبيعتها، نقاشاً عمومياً واسعاً يضمن التوفيق بين ضرورات الإصلاح وحماية الحقوق الأساسية.
وترى التامني أن الرهان التشريعي لا يمكن فصله عن السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه البلاد، حيث يتزايد الضغط على القدرة الشرائية وتتفاقم مؤشرات البطالة والهشاشة، ما يفرض، وفق تصورها، إعادة ترتيب الأولويات التشريعية لصالح النصوص ذات الأثر الاجتماعي المباشر، بدل الانشغال بقوانين تقنية أو مشاريع استثمارية لا تواكبها ضمانات اجتماعية كافية.
وفي هذا الإطار، تدعو إلى إشراك الفاعلين المدنيين والخبراء في صياغة القوانين، واعتماد مقاربات تشاركية وتقييمات مسبقة للأثر، مع احترام الزمن التشريعي الكفيل بإنتاج نقاش جدي ومعمق، بعيداً عن منطق الاستعجال الذي يختزل المسطرة في آجال ضيقة تُفرغ النقاش من مضمونه.
كما لا تخفي تخوفها من توظيف بعض النصوص القانونية في هذا الظرف لخدمة اعتبارات سياسية وانتخابية، سواء عبر تمرير قوانين ترضي توازنات الأغلبية أو فئات محددة، أو من خلال تأجيل القوانين ذات الكلفة السياسية، وهو ما يضع المؤسسة التشريعية أمام امتحان حقيقي لإثبات استقلاليتها ومصداقيتها.
وبين منطق السرعة ومتطلبات الجودة، يتحدد اليوم أحد أبرز رهانات المرحلة: إما برلمان يعيد الاعتبار لوظيفته الدستورية ويؤسس لتشريع يعكس انتظارات المجتمع ويكرّس التوازن بين السلط، أو مؤسسة تنخرط في سباق المصادقة دون نقاش كافٍ، بما يعمّق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات بدل ردمها.
وفي ختام هذا النقاش، يطفو سؤال مركزي يلخص جوهر اللحظة السياسية: هل يستعيد البرلمان موقعه كمؤسسة تُشرّع باسم المجتمع، أم يستمر أسير حسابات الأغلبية ومنطق الحصيلة الرقمية؟ سؤال مفتوح على مستقبل الفعل التشريعي، وعلى قدرة الديمقراطية على إنتاج قوانين لا تُقاس بعددها، بل بأثرها.





