الصحة بسرعتين بالمغرب.. حين يتحول العلاج إلى امتياز طبقي

إعلام تيفي/ بلاغ
في سياق إحياء اليوم العالمي للصحة، الذي ينظم هذه السنة تحت شعار “معا من أجل الصحة… ادعموا العلم”، يتجدد النقاش في المغرب حول واقع المنظومة الصحية الوطنية، في ظل مؤشرات متزايدة على اتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية في الولوج إلى العلاج، بما يكرس ما بات يوصف بـ“الصحة بسرعتين”، حيث تختلف جودة الخدمات الصحية وإمكانية الاستفادة منها بحسب القدرة الشرائية والانتماء المجالي.
المعطيات الصادرة عن الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، تشير إلى أن المحددات الاجتماعية للصحة، وعلى رأسها الدخل والسكن والتعليم وظروف العمل والحماية الاجتماعية، لا تزال تؤثر بشكل مباشر في الوضع الصحي للمواطنين، خصوصا في المناطق القروية والهامشية.
وتفيد المعطيات نفسها بأن ضعف البنية التحتية، وارتفاع معدلات الفقر متعدد الأبعاد، ونقص الأمن الغذائي، كلها عوامل تسهم في تدهور المؤشرات الصحية، وهو ما ينعكس في تسجيل فوارق واضحة بين المدن والبوادي، حيث ترتفع معدلات وفيات الأمهات والأطفال الرضع إلى الضعف في الوسط القروي، فيما يقل معدل العمر المتوقع بنحو خمس سنوات مقارنة بالمجال الحضري.
وفي ما يتعلق بتمويل العلاج، تكشف الأرقام الواردة في تقارير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024 و2025، عن اختلالات بنيوية في توزيع نفقات التأمين الإجباري عن المرض، إذ يستحوذ القطاع الطبي الخاص على نحو 91 بالمائة من هذه النفقات، مقابل 9 بالمائة فقط للمستشفيات العمومية.
كما يستفيد القطاع الخاص من جزء مهم من نفقات الدولة الموجهة لتغطية المستفيدين من نظام “أمو تضامن”، والتي تقدر بنحو 9 مليارات درهم، حيث تتجاوز نسبة ما يوجه منها إلى المصحات الخاصة 40 بالمائة، ما يفاقم هشاشة تمويل المرفق الصحي العمومي.
وتفيد المعطيات ذاتها بأن نحو 30 بالمائة من المغاربة، أي ما يقارب 11 مليون شخص، لا يتوفرون على أي تغطية صحية، وغالبيتهم من الفئات الهشة، وهو ما يجعل المستشفيات العمومية الوجهة الأساسية لهم، رغم ما تعانيه من ضغط متزايد وإكراهات مالية وبشرية.
ورغم تسجيل سنة 2026 دينامية على مستوى البنية التحتية الصحية، من خلال افتتاح مراكز استشفائية جامعية جديدة في أكادير والعيون، ومواصلة إنجاز مشاريع مماثلة في بني ملال وكلميم والرشيدية، إلى جانب استكمال المركب الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط، فإن هذه الجهود تصطدم بإشكالات مرتبطة بالتمويل والحكامة وجودة الخدمات.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن الميزانية المخصصة لقطاع الصحة لا تتجاوز نسبة تقل عن 10 بالمائة من الإنفاق العام، وهي نسبة دون التوصيات الدولية، فيما يسجل عجز حاد في الموارد البشرية الصحية يتجاوز 32 ألف طبيب و65 ألف ممرض، مع سوء توزيع جغرافي لهذه الكفاءات.
كما يستقطب القطاع الخاص أكثر من نصف الأطباء، في ظل تفاوت كبير في الأجور، حيث تصل رواتب الأطباء في المصحات الخاصة إلى نحو 30 ألف درهم، مقابل حوالي 12 ألف درهم في القطاع العمومي، ما يساهم في تفاقم ظاهرة هجرة الكفاءات نحو القطاع الخاص أو إلى الخارج.
وبحسب الشبكة الحقوقية،فإن هذه الاختلالات تنعكس على جودة الخدمات الصحية، حيث تعاني المستشفيات العمومية من تقادم التجهيزات الطبية وضعف صيانتها، وهو ما يؤدي إلى أعطاب متكررة وتأجيلات طويلة في مواعيد الفحوصات والعمليات الجراحية، قد تمتد من ستة أشهر إلى سنة بالنسبة لفحوصات حيوية مثل السكانير والتصوير بالرنين المغناطيسي.
وفي المقابل، يشهد القطاع الخاص توسعا ملحوظا، خاصة في المدن الكبرى، مع استثمارات متزايدة في التكنولوجيا الطبية المتقدمة، من قبيل الجراحة بالروبوت والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ما يعزز جاذبيته لدى الفئات القادرة على تحمل تكاليف العلاج.
وعلى مستوى التكوين، تبرز معطيات الشبكة وجود تفاوتات كبيرة بين مؤسسات التعليم الصحي العمومي والخاص، سواء من حيث التأطير أو الإمكانيات البيداغوجية. ففي الوقت الذي تسجل فيه الكليات الخاصة معدل أستاذ لكل عشرة طلبة، تعاني الكليات العمومية من اكتظاظ كبير وضعف في التجهيزات، كما توصف العديد من معاهد التمريض بأنها متقادمة ولا تستجيب لمتطلبات التكوين الحديث.
ويسجل أيضا تفاوت في الولوج إلى التكنولوجيا الطبية المتقدمة، حيث يستفيد طلبة القطاع الخاص من التكوين على تقنيات حديثة مثل المحاكاة الطبية والجراحة الروبوتية، في حين يظل طلبة القطاع العمومي بعيدين عن هذه التجارب، ما يطرح تحديات على مستوى تكافؤ الفرص داخل المهنة.
وفي هذا السياق، تؤكد الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة أن استمرار هذه الاختلالات يهدد بتقويض مبدأ العدالة الصحية، داعية إلى تبني إصلاحات عاجلة تشمل إرساء قانون إطار يضمن المساواة في الولوج إلى العلاج، وإحداث هيئة مستقلة لضبط تسعيرة الخدمات الصحية ومراقبة المصحات الخاصة، إلى جانب تعزيز تمويل المستشفى العمومي وتأهيله، وتحسين ظروف عمل وتكوين الموارد البشرية الصحية، بما يحد من نزيف الكفاءات ويعزز جاذبية القطاع العام.
كما تشدد على ضرورة الاستثمار في البحث العلمي والرقمنة، وتحديث مناهج التكوين الطبي والتمريضي، مع إدماج التكنولوجيات الحديثة، وضمان تكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص، بما ينسجم مع التوجهات الدولية الداعية إلى اعتماد مقاربة “الصحة الواحدة” التي تربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، وتعزز العدالة الصحية باعتبارها خيارا سياسيا ومجتمعيا.





