في دورة الحسم.. غيات يدعو إلى نقاش مسؤول ويحذر من هدر الزمن التشريعي

حسين العياشي
تنطلق غدا الجمعة، آخر دورة من الولاية التشريعية الحادية عشر، وهي مرحلة مفصلية تتكثف الرهانات وتضيق هوامش الزمن، في سياق سياسي يتجه تدريجياً نحو منطق التقييم والمساءلة. ففي لحظة تتقاطع فيها حسابات الحصيلة مع ضغط الاستحقاقات المقبلة، تبرز الحاجة إلى قراءة دقيقة لأداء البرلمان، ليس فقط من زاوية ما تحقق، بل أيضاً من خلال ما تعثر أو ظل معلقاً.
في هذا السياق، يضع محمد غيات، نائب رئيس مجلس النواب، الدورة التشريعية الربيعية في قلب هذا التحول، معتبراً أنها تشكل اختباراً فعلياً لقدرة المؤسسة على استعادة المبادرة، وإثبات نجاعتها في مواكبة التحولات العميقة التي يشهدها المغرب، بعيداً عن منطق التراكم الشكلي للنصوص أو الاستهلاك السياسي للنقاش.
بين ضغط الزمن ورهان الجودة
منعطف الثقة الأخير.. هل يسقط المشرع في فخ الاستعجال؟
وتكتسي هذه الدورة طابعاً استثنائياً، ليس فقط لكونها الأخيرة ضمن الولاية البرلمانية 2021-2026، بل لأنها تأتي في لحظة يشتد فيها التنافس السياسي وتتصاعد فيها انتظارات المواطنين، ما يجعلها فضاءً مكثفاً لإعادة ترتيب الأولويات وتقييم المسار التشريعي والرقابي برمته. فبين منطق الحصيلة وضغط الزمن الانتخابي، يجد البرلمان نفسه أمام ضرورة الانتقال من تسجيل الإنجازات إلى قياس أثرها الفعلي على الواقع.
وفي هذا الإطار، يبرز التحدي المركزي الذي أشار إليه غيات في تصريحه لـ”إعلام تيفي“، والمتمثل في تحقيق توازن دقيق بين تسريع وتيرة التشريع وضمان جودة النصوص القانونية. فالتسرع في تمرير القوانين تحت ضغط نهاية الولاية قد يفرغها من فعاليتها، في حين أن الإبطاء في معالجتها يهدد بتراكم الانتظارات وتعميق فجوة الثقة مع المواطنين، وهو ما يفرض مقاربة تشريعية تقوم على الدقة والنجاعة في آن واحد.
ويعيد هذا الوضع تسليط الضوء على واحدة من أبرز الإشكالات البنيوية التي تطبع العمل البرلماني، حيث غالباً ما يتصادم إيقاع الزمن السياسي مع متطلبات النقاش التشريعي الرصين. غير أن خصوصية المرحلة الراهنة تجعل من هذا التحدي أكثر حدة، إذ لم يعد مقبولاً إنتاج نصوص قانونية دون أثر ملموس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وترتفع فيه كلفة الانتظارات المؤجلة.
حصيلة تحت المجهر.. وقوانين بأي أثر؟
ورغم ما تحقق خلال هذه الولاية من مصادقة على نصوص قانونية وازنة ومواكبة لأوراش إصلاحية كبرى، فإن هذا الرصيد، كما يقر بذلك غيات، لا يلغي استمرار اختلالات تتعلق بجودة النقاش التشريعي ونجاعة المراقبة البرلمانية، فضلاً عن الحاجة الملحة إلى تعزيز صورة المؤسسة لدى الرأي العام باعتبارها فاعلاً مركزياً في إنتاج القرار العمومي.
ومن هذا المنطلق، تتحول هذه الدورة إلى لحظة لإعادة توجيه البوصلة، حيث لم يعد الرهان في عدد القوانين المصادق عليها، بل في نوعيتها وقدرتها على الاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين، خاصة في ظل سياق يتسم بتزايد الضغوط على القدرة الشرائية وارتفاع سقف المطالب الاجتماعية.
وفي مواجهة هذه التحديات، يدعو نائب رئيس مجلس النواب إلى القطع مع الحسابات الضيقة التي تستنزف الزمن التشريعي في صراعات ظرفية، مشدداً على ضرورة جعل هذه الدورة عنواناً للمسؤولية السياسية، من خلال إعطاء الأولوية للنصوص ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين، مع الحرص على جودتها وقابليتها للتنزيل الفعلي.
بين الفعل والخطاب.. أي برلمان نريد؟
هذا الطرح يفتح نقاشاً أعمق حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن يضطلع به البرلمان، وهنا، اختار محمد غيات أن يركّز على زاوية اعتبرها جوهرية في تقييم هذه المرحلة، مؤكداً أن الرهان لم يعد يتعلق فقط بتدبير النقاش داخل المؤسسة التشريعية، بل بقدرتها على التحول إلى فاعل حقيقي في إنتاج القرار العمومي. فبوضوح، البرلمان مطالب اليوم بأن يثبت أنه ليس فقط فضاءً للنقاش، بل مؤسسة للقرار والإنتاج التشريعي المسؤول، قادرة على تحويل النقاشات إلى سياسات عمومية فعالة، وعلى ترجمة انتظارات المواطنين إلى قوانين ذات أثر ملموس.
وفي المحصلة، لا تبدو هذه الدورة مجرد محطة عابرة في نهاية ولاية، بل لحظة مفصلية تُختبر فيها مصداقية العمل البرلماني برمته. فإما أن ينجح البرلمان في ترسيخ موقعه كمؤسسة فاعلة تُنتج القرار وتؤطر التحولات، أو يكرّس صورة نمطية تختزل دوره في النقاش دون أثر. وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط داخل قبة البرلمان، بل في علاقة المؤسسة التشريعية بثقة المواطنين وانتظاراتهم.





