12 ساعة عمل بلا توقف.. اختلالات قانونية تضع الحكومة أمام اختبار أبريل

حسين العياشي
يسجّل النقاش حول أوضاع الشغيلة بالمغرب تصعيداً لافتاً مع اقتراب جولة أبريل من الحوار الاجتماعي، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية واتساع دائرة الفئات المهنية التي تطالب بإعادة النظر في شروط العمل والأجور، وعلى رأسها فئة حراس الأمن الخاص التي تحولت إلى عنوان بارز لاختلالات سوق الشغل.
ففي وقت يُفترض أن يشكّل الحوار الاجتماعي آلية لتصحيح التوازنات، تكشف المعطيات الميدانية عن واقع مهني يزداد تعقيداً، حيث تتقاطع الهشاشة الاقتصادية مع ثغرات قانونية وإشكالات تطبيقية تجعل من “العمل اللائق” شعاراً يصعب تنزيله على أرض الواقع بالنسبة لآلاف الأجراء.
وفي هذا السياق، يقدّم محمد الداودي، الأستاذ بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ورئيس المركز المغربي للعمل اللائق والتنمية المستدامة، قراءة نقدية لهذا الوضع، معتبراً أن بعض المهن، وعلى رأسها الحراسة الخاصة والعمل بمحطات توزيع الوقود، تعاني من “حيف واضح” في شروط العمل، نتيجة فجوة قائمة بين النص القانوني والممارسة الفعلية.
ويبرز الداودي أن مدونة الشغل، في صيغتها الحالية، تتضمن مقتضيات تتيح اعتماد نظام عمل يمتد إلى 12 ساعة يومياً في بعض الحالات، على أساس أن هذه المدة تتخللها فترات راحة، غير أن الواقع، كما يؤكد، يكشف عن اشتغال متواصل دون انقطاع، ما يحوّل هذا الاستثناء القانوني إلى قاعدة تُفرغ النص من مضمونه الحمائي.
ولا يتوقف الإشكال عند حدود ساعات العمل، بل يمتد، وفق المتحدث ذاته، إلى وجود تناقضات تقنية داخل مدونة الشغل نفسها، من بينها ما يرتبط بالمادة 185 التي تنظم إمكانية تقليص مدة الشغل في حالة “أزمة اقتصادية عابرة”، وهو مفهوم يظل، بحسبه، غامضاً وغير مضبوط، سواء من حيث تعريفه أو من حيث شروط تفعيله، بما في ذلك غياب وضوح حول إلزامية إشعار الأجراء أو السلطات المعنية.
ويزيد من تعقيد هذا الوضع، حسب الداودي، وجود إحالات تشريعية غير دقيقة داخل النص القانوني، وهو ما يطرح إشكالاً حقيقياً على مستوى الأمن القانوني ويعكس الحاجة إلى مراجعة مستعجلة لبعض المقتضيات التي قد تؤثر على حسن تطبيق القانون.
غير أن جوهر الإشكال، في تقديره، لا يكمن فقط في النصوص، بل في مستوى تنزيلها، إذ يشير إلى أن مدونة الشغل تتضمن بالفعل مجموعة من الضمانات التي تؤطر مفهوم “العمل اللائق”، من حيث احترام مدة العمل القانونية، وضمان الحد الأدنى للأجور، والاستفادة من العطل والراحة الأسبوعية، فضلاً عن توفير شروط الصحة والسلامة المهنية وصون كرامة الأجراء.
لكن هذه المبادئ، كما يوضح، تصطدم في الواقع بوجود ما يسميه “مقاولات غير مواطنة”، لا تلتزم بتطبيق القانون، مستفيدة في ذلك من ضعف آليات المراقبة أو محدودية فعاليتها، ما يطرح سؤالاً مركزياً حول الجهة القادرة على فرض احترام قانون الشغل وضمان تكافؤ شروط المنافسة بين المقاولات.
ويتقاطع هذا التشخيص مع ما تعيشه فئة حراس الأمن الخاص، التي تُعد من أكثر الفئات تضرراً من هذه الاختلالات، حيث تتكرر شكاوى تتعلق بساعات عمل طويلة، وأجور متدنية، وغياب التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب هشاشة العقود وإمكانية إنهائها بشكل مفاجئ، دون ضمانات كافية.
وفي ظل هذا الواقع، تتعزز المطالب النقابية بإدراج هذا الملف ضمن أولويات الحوار الاجتماعي، ليس فقط كقضية فئوية، بل كنموذج لاختلالات أوسع تمس سوق الشغل، وتطرح بإلحاح ضرورة الانتقال من مقاربة جزئية إلى إصلاح هيكلي يعيد الاعتبار لمفهوم العمل اللائق.
كما يضع هذا النقاش الحكومة أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في مراجعة بعض المقتضيات القانونية التي أبانت عن محدوديتها، وتعزيز أجهزة المراقبة لضمان التطبيق الصارم للقانون، بما يحمي حقوق الأجراء ويضمن في الآن ذاته بيئة تنافسية عادلة للمقاولات.
وبين رهانات الإصلاح وضغط الواقع، تبدو جولة أبريل من الحوار الاجتماعي لحظة مفصلية لاختبار مدى قدرة مختلف الأطراف على تحويل التشخيصات المتكررة إلى قرارات عملية، تعيد التوازن إلى سوق الشغل وتمنح لفكرة “العمل اللائق” مضمونها الحقيقي، بعيداً عن الشعارات.





