أسعار المحروقات تؤجج غضب مهنيي النقل.. والاحتقان يتصاعد في القطاع

حسين العياشي
يشهد قطاع النقل الطرقي بالمغرب موجة متصاعدة من الاحتقان، في ظل تزايد الضغوط التي يفرضها الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات، والذي لم يعد مجرد معطى اقتصادي عابر، بل تحول إلى عامل مباشر يثقل كلفة التشغيل ويضغط على توازنات المهنيين، ويمتد أثره إلى القدرة الشرائية للمواطنين عبر ارتفاع أسعار النقل والخدمات والمواد الأساسية.
هذا التوتر المتنامي داخل القطاع يجد تفسيره، وفق مهنيين وتنظيمات نقابية، في الطريقة التي تُدار بها سوق المحروقات، حيث تتسارع وتيرة تمرير الزيادات الدولية إلى السوق الوطنية بشكل شبه فوري، بينما تتباطأ وتيرة عكس الانخفاضات، في مفارقة باتت تثير كثيراً من علامات الاستفهام حول شفافية آليات التسعير ومدى خضوعها لقواعد المنافسة العادلة.
وفي هذا السياق، عبّر الاتحاد النقابي للنقل الطرقي عن قلقه من هذا “الاختلال المزمن” في طريقة احتساب الأسعار، معتبراً أن المهنيين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق الدولية، لكن في اتجاه واحد فقط، حيث يتحملون كلفة الارتفاعات دون أن يستفيدوا بالقدر نفسه من فترات الانخفاض. وهو ما يفاقم، بحسب تعبيره، الأعباء المالية ويغذي حالة الغضب داخل القطاع.
ويأتي هذا الوضع في سياق دولي متوتر، تطبعه تحولات جيوسياسية متسارعة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وما يرافقها من اضطراب في سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة. غير أن النقابة ترى أن الإشكال لا يكمن فقط في هذه العوامل الخارجية، بل في كيفية تنزيلها محلياً، حيث يتم اعتماد زيادات الأسعار بسرعة قياسية، حتى في حالات لم يتم فيها بعد استيراد شحنات جديدة بالأسعار المرتفعة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول منطق التسعير المعتمد.
وتذهب النقابة إلى أبعد من ذلك، حين تشير إلى وجود اختلالات بنيوية في نظام تسعير المحروقات، تقوم على اعتماد فوري للزيادات مقابل تأجيل تمرير الانخفاضات بذريعة تصريف المخزون، وهو ما يفتح الباب، وفق تقديرها، أمام تحقيق أرباح وُصفت بغير المبررة على حساب المهنيين والمستهلكين، في غياب معايير واضحة وشفافة لتحديد الأسعار.
ويرتبط هذا الوضع، في نظر المتتبعين، بخيارات هيكلية تعود إلى قرار تحرير أسعار المحروقات، الذي أخرج الدولة من دائرة التدخل المباشر في تحديد الأسعار، دون أن يُواكب ذلك بإرساء آليات قوية للضبط والمراقبة، وهو ما أضعف من مستوى التنافسية داخل السوق، وترك المجال مفتوحاً أمام تفاوتات في التسعير يصعب تفسيرها للرأي العام.
كما يزيد من تعقيد المشهد استمرار توقف نشاط مصفاة “سامير”، التي كانت تشكل أحد أعمدة التوازن داخل المنظومة الطاقية الوطنية، حيث أدى غيابها إلى تعميق تبعية السوق المغربية للاستيراد الخارجي، وجعلها أكثر هشاشة أمام التقلبات الدولية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعزيز أدوات السيادة الطاقية.
وفي ظل هذا السياق المتوتر، حذر مهنيون من تداعيات استمرار الوضع على حاله دون تدخل حكومي عاجل، معتبرين أن استمرار ارتفاع تكاليف النقل سينعكس بشكل مباشر على أسعار مختلف السلع والخدمات، بما قد يفاقم من موجة الغلاء التي تعيشها الأسر المغربية.
وطالب هؤلاء بجملة من الإجراءات العاجلة، من بينها تحديد هوامش الربح لشركات التوزيع، وتفعيل دور مجلس المنافسة في مراقبة السوق، وفتح تحقيق شفاف حول تركيبة أسعار المحروقات، إلى جانب إعادة النظر في سياسة تحرير القطاع بما يضمن تحقيق توازن بين منطق السوق ومتطلبات الحماية الاقتصادية والاجتماعية.
كما دعوا إلى إطلاق نقاش وطني واسع حول السياسة الطاقية، بما يسمح بإعادة ترتيب الأولويات وتعزيز السيادة الطاقية للبلاد، والحد من تأثير التقلبات الدولية على السوق الداخلية، مؤكدين في الوقت ذاته تمسكهم بخيار الحوار كمدخل أساسي لمعالجة الأزمة، دون استبعاد اللجوء إلى خطوات تصعيدية قد تصل إلى الإضراب، في حال استمرار تجاهل مطالبهم.
وبين ضغط التكاليف وغياب التوازن في التسعير، يجد قطاع النقل الطرقي نفسه اليوم في قلب معادلة معقدة، تختبر قدرة السياسات العمومية على التوفيق بين متطلبات السوق وضرورات العدالة الاقتصادية، في سياق لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل أو المعالجة الجزئية.





