الأندية المغربية تتصدر “ميركاتو” اللاعبين العرب.. 42 مليون دولار خلال خمس سنوات

حسين العياشي
سجّلَت الأندية المغربية حضوراً لافتاً في سوق الانتقالات الدولية خلال سنة 2025، مؤكدةً تفوقها عربياً في تصدير المواهب وتحقيق عائدات مالية متنامية، في وقت تتجه فيه بعض الدوريات الإقليمية إلى إنفاق ضخم لاستقطاب النجوم دون تحقيق التوازن المالي نفسه.
وكشف تقرير «Mercato Al Charq 2025»، الصادر عن «اقتصاد الشرق» بشراكة مع «بلومبرغ» استناداً إلى بيانات الاتحاد الدولي لكرة القدم، عن معطى دالّ يتمثل في تصدر المغرب قائمة الدول العربية من حيث مداخيل بيع اللاعبين إلى الخارج، بعدما بلغت عائدات أنديته نحو 11 مليون دولار خلال سنة واحدة، فيما تجاوزت 42,6 مليون دولار خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، وهو أعلى رصيد إيجابي في المنطقة من حيث الفرق بين المداخيل والمصاريف.
هذا الأداء لا يعكس فقط تفوقاً رقمياً ظرفياً، بل يكرّس نموذجاً اقتصادياً مميزاً داخل سوق كرة القدم العربية، يقوم على التكوين والتطوير ثم التسويق، بدل الانخراط في سباق الإنفاق المرتفع. ففي الوقت الذي ضخت فيه الأندية السعودية ما يقارب 1,2 مليار دولار خلال سنة 2025 وحدها لاستقطاب لاعبين أجانب، اختارت الأندية المغربية مساراً مختلفاً يقوم على الاستثمار في المواهب المحلية وتحويلها إلى قيمة مضافة في السوق الدولية.
ويبرز التقرير تبايناً واضحاً في الاستراتيجيات بين ضفتي العالم العربي، حيث تمثل السعودية ما يقارب 68 في المائة من إجمالي إنفاق الأندية العربية على الانتقالات الدولية، مدفوعة ببرنامج استقطاب النجوم الذي انطلق منذ صيف 2023، بينما تظهر الأندية المغربية ضمن قائمة “أكبر البائعين” الذين يحققون أرباحاً صافية من عمليات التفويت.
وعلى مستوى الأرقام، حافظت الأندية المغربية على منحى تصاعدي في مداخيلها، إذ ارتفعت من 9,2 ملايين دولار سنة 2023 إلى 10,3 ملايين في 2024، قبل أن تبلغ 11 مليون دولار في 2025، وهو ما يعكس استقراراً في الأداء ونجاعة في تدبير سوق الانتقالات، مقارنة بدول أخرى ظلت مداخيلها محدودة. فقد سجلت الأندية التونسية، على سبيل المثال، حوالي 3,1 ملايين دولار، فيما تراوحت مداخيل الأندية الجزائرية بين 2 و4,1 ملايين دولار، ما يعكس فجوة متزايدة في القدرة على تسويق اللاعبين.
ولا ينفصل هذا التفوق عن البنية التي باتت تؤطر كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث راهنت الأندية على تطوير مراكز التكوين والأكاديميات، وتعزيز شبكات الاستكشاف، والانفتاح على الأسواق الأوروبية والخليجية، ما مكّنها من تحويل اللاعبين المحليين إلى أصول قابلة للتصدير في سوق دولية شديدة التنافسية.
كما ساهمت الدينامية التي يعرفها المنتخب الوطني في رفع القيمة السوقية للاعب المغربي، خاصة بعد الإنجاز التاريخي في كأس العالم 2022، وهو ما منح إشعاعاً إضافياً لكرة القدم الوطنية، وجعل الأندية تستفيد بشكل مباشر من ارتفاع الطلب على المواهب المغربية في الخارج.
وفي المقابل، يبرز التقرير أن عدداً من الأسواق العربية، رغم توفرها على إمكانيات مالية كبيرة أو خزّان بشري مهم، لا تزال تعاني من اختلالات بنيوية تحدّ من قدرتها على تحقيق عائدات مماثلة، سواء بسبب القيود التنظيمية أو ضعف جاذبية البطولات المحلية أو غياب استراتيجيات واضحة للتسويق الرياضي.
ويضع هذا المعطى الأندية المغربية أمام موقع متقدم في خريطة كرة القدم الإقليمية، ليس فقط كمنافس رياضي، بل كفاعل اقتصادي قادر على إنتاج القيمة داخل سوق الانتقالات. كما يعزز فرضية تحول المغرب تدريجياً إلى منصة إقليمية لتكوين وتصدير المواهب نحو البطولات الكبرى، في ظل تزايد الاستثمارات في البنية التحتية واستعداد البلاد لاحتضان تظاهرات كبرى، في مقدمتها كأس العالم 2030.
وبين منطق الإنفاق السخي ومنطق الاستثمار الذكي، يبدو أن كرة القدم المغربية اختارت طريقاً مختلفاً يراكم الأرباح ويعزز الحضور الدولي، واضعةً نفسها في موقع متقدم داخل معادلة رياضية واقتصادية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.





