بورقية: الذكاء الاصطناعي يعيد إنتاج المعرفة.. فهل المدرسة مستعدة؟

حسين العياشي
سجّلت التحولات الرقمية المتسارعة حضورها القوي داخل النقاش التربوي بالمغرب، بعدما دعت رئيسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين، رحمة بورقية، إلى ضرورة بلورة سياسة عمومية متكاملة تؤطر استعمال الذكاء الاصطناعي داخل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، في سياق دولي يعرف إعادة تشكيل عميقة لطرق إنتاج المعرفة وتداولها.
وجاءت مداخلة بورقية خلال افتتاح أشغال الجمعية العامة للمجلس، لتضع النقاش في إطاره الواسع، مؤكدة أن العالم يعيش اليوم على وقع ثورتين رقميتين متلازمتين؛ الأولى مرتبطة بالتحول الرقمي الذي أفرز شبكات التواصل الاجتماعي، والثانية تقودها طفرة الذكاء الاصطناعي، التي لم تعد مجرد أداة تقنية، بل أصبحت فاعلاً مؤثراً في مختلف مناحي الحياة، من الاقتصاد إلى الثقافة، مروراً بالعلاقات الاجتماعية وأنماط العمل.
هذا التداخل بين الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وفق التصور الذي قدمته رئيسة المجلس، لم يعد يقتصر على تسهيل الولوج إلى المعرفة، بل تجاوز ذلك ليعيد صياغة طرق اكتسابها وإنتاجها، وهو ما يضع المنظومة التربوية أمام تحديات جديدة تتعلق بكيفية تأهيل الأجيال الصاعدة للتفاعل مع هذا الواقع المتغير.
وفي هذا الإطار، اختار المجلس الأعلى للتربية والتكوين أن يجعل من موضوع الذكاء الاصطناعي محوراً لمداولاته، في أفق إعداد توصية رسمية تروم وضع أسس سياسة عمومية واضحة في هذا المجال، بما ينسجم مع الوثيقة التوجيهية للنصف الثاني من ولايته، والتي حددت الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز القضايا ذات الأولوية خلال المرحلة الراهنة.
وترى بورقية أن هذه المبادرة تعكس وعياً مؤسساتياً متقدماً بحجم التحولات التي تفرضها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل تنامي تأثيرها على المنظومة التربوية، سواء من حيث طبيعة المحتوى المعرفي أو من حيث طرق التعلم والتفاعل مع المعرفة، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على مستقبل المهن.
غير أن الرهان، بحسب المتحدثة، لا يقتصر على إدماج الأدوات الرقمية داخل الفصول الدراسية، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة تأطير هذه التحولات في بعدها القيمي والبيداغوجي، بما يضمن توجيه استعمال الذكاء الاصطناعي نحو خدمة أهداف التربية والتكوين، بدل أن يتحول إلى عامل ارتباك داخل المنظومة التعليمية.
وفي هذا السياق، شددت رئيسة المجلس على أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بات فاعلاً مؤثراً في العملية التعليمية، يفرض إعادة التفكير في مناهج التدريس وفي طبيعة العلاقة بين المتعلم والمعرفة، وهو ما يستدعي إدماج التربية الرقمية ومهارات التعامل مع هذه التقنيات ضمن المقررات والبرامج التكوينية.
كما أكدت أن تطوير البنيات التحتية الرقمية، على أهميته، لا يكفي لوحده لمواكبة هذا التحول، بل يستوجب الأمر صياغة استراتيجية شمولية تقوم على تحديد أهداف واضحة لتنمية الكفايات الرقمية، وتعزيز قدرات إنتاج المعرفة، وإعداد برامج تربوية قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في هذا المجال.
وفي مقابل الانتشار الواسع لاستعمالات الذكاء الاصطناعي التوليدي، نبهت بورقية إلى أن ضمان الاستعمال المسؤول والآمن لهذه التكنولوجيا يظل رهيناً بمدى قدرة المنظومة التربوية على تأطيرها، عبر مبادرات عملية توازن بين الابتكار والحذر، وتؤسس لثقافة رقمية واعية لدى المتعلمين.
وبين تسارع الثورة الرقمية وتحديات التأقلم التربوي، يبدو أن المغرب يقف أمام لحظة مفصلية تفرض إعادة صياغة اختياراته في مجال التعليم والتكوين، بما يضمن الانتقال من منطق التفاعل مع التحولات إلى منطق استباقها، عبر بناء سياسة عمومية قادرة على توجيه الذكاء الاصطناعي لخدمة التنمية المعرفية وتعزيز تنافسية الأجيال المقبلة.





