الجهة الشرقية في طي النسيان..بطالة بنيوية في انتظار رفع الحيف

حفيظ بوديس
تقرير _في الزمن المتبقي من ولاية الحكومة الحالية، أو بالأحرى في الوقت الذي تصرف فيه الحكومة أعمالها، في انتظار من سيخلفها، ستظل الجهة الشرقية بمغربنا الحبيب من جملة الجهات التي تعرف تهميشا اجتماعيا واقتصاديا.
وأمام البحث عن دماء جديدة لنخب قد تعي يوما بأن الوضع بهذه الجهة عليه أن يتغير لأفضل حال، يبقى شباب المنطقة يتطلعون للمستقبل، ومن سيدير شأن الجهة والمنطقة، وفيما إذا كان من بين النخب رجل راشد.
فالجهة الشرقية تعيش على وقع مفارقة اقتصادية مقلقة، إذ رغم الجهود المبذولة لمعالجة الاختلالات التنموية، ما تزال تسجل مؤشرات سلبية تعكس ضعف الدينامية الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة.
ولعل مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل خلال الفصل الثالث من سنة 2025 كانت خير دليل على أن الواقع غير مطمئن، حيث لم يتجاوز معدل النشاط الاقتصادي 39٬7 في المائة، وهو من بين الأضعف على الصعيد الوطني، ما يعكس محدودية انخراط الساكنة في سوق الشغل.
وقد تصدرت الجهة نسب البطالة بنسبة بلغت 21٬2%، متجاوزة بكثير المعدل الوطني المحدد في 13,3%، وهو ما يعكس عمق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها المنطقة.
كما أظهرت التقارير أن غالبية العاطلين يعيشون أوضاعا صعبة، إذ يواجه 66,6% منهم ضائقة مالية، بينما يفتقر 96,6% لأي مصدر دخل، ما يدفعهم للاعتماد على دعم الأسر أو استنزاف مدخراتهم.
في مذكرة إخبارية حول وضعية سوق الشغل بجهة الشرق (دجنبر 2024)، أكد شبه إجماع العاطلين عن العمل (%98,8) أن السبب الرئيسي لبطالتهم هو نقص فرص الشغل بالجهة. ويرجع ذلك، حسب آرائهم، إلى عدة عوامل، أبرزها قلة الوحدات الاقتصادية القادرة على تشغيل عدد كبير من العمال (%66,4)، وضعف النشاط الاقتصادي (%62,5)، إضافة إلى هشاشة النسيج الاقتصادي (%25,0).
كما أشار العاطلون إلى أسباب أخرى لا تقل أهمية، من بينها ضعف جاذبية الجهة للاستثمار وقلة تنافسيتها (%19,7)، وعدم كفاية فرص التشغيل في القطاع العام (%18,5). ويرى %16,6 منهم أن الجفاف يساهم بدوره في تفاقم الوضع، خاصة في الوسط القروي، إلى جانب نقص البنية التحتية الاقتصادية (%14,7) وضعف فعالية سياسات التشغيل على المستوى الجهوي (%13,7).
ورغم هذه الصورة القاتمة، تبرز الجهة الشرقية كقطب وطني في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، حيث تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد التعاونيات، التي بلغت 5517 تعاونية سنة 2022. كما يشهد هذا القطاع حضورا نسائيا قويا، بأزيد من 62 ألف امرأة منخرطة ضمن مئات التعاونيات، ما يعكس إمكانيات واعدة للتنمية المحلية.
وتلعب الصناعة التقليدية دورا محوريا في التخفيف من حدة البطالة، إذ تمثل أحد أهم القطاعات القادرة على خلق فرص شغل مستدامة، خاصة لفائدة الشباب والنساء. فهي لا تساهم فقط في الإدماج الاقتصادي، بل تعمل أيضا على تثمين المهارات المحلية والحفاظ على التراث الثقافي، حيث تحتل المرتبة الثانية بعد الفلاحة بنسبة تقارب 20% من الأنشطة الاقتصادية بالجهة.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تظل غير كافية لمواجهة الحجم المتزايد للبطالة. فالقطاع ما يزال في حاجة إلى دعم أكبر واستثمارات أوسع، إلى جانب تطوير آليات التسويق وفتح أسواق جديدة للمنتجات التقليدية، حتى يتمكن من لعب دوره الكامل كرافعة حقيقية للتشغيل والتنمية.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى الرهان الأساسي هو الانتقال من مبادرات محدودة الأثر إلى سياسات تنموية شاملة، قادرة على تحفيز الاستثمار وخلق فرص شغل حقيقية، بما يضمن للجهة الشرقية مساراً تنمويا أكثر توازنا واستدامة.
جهة بطاقاتها الشابة وأيدي أبنائها وسواعدهم، تعيش وضعا مزريا، وهشاشة، وضعفا تنمويا كبيرا، لازالت تتطلع بآمال أن تدبر شؤونها بالطريقة المثلى.





