أخنوش يتحدث عن طفرة صحية وتقارير تفضح الاختلالات

فاطمة الزهراء ايت ناصر 

على هامش الجلسة العمومية المشتركة بين مجلسي النواب والمستشارين والتي خصصت لعرض الحصيلة الحكومية، قدم رئيس الحكومة عزيز أخنوش عرضاً طموحا حول إصلاح قطاع الصحة، مؤكداً أن الحكومة انتقلت من مقاربات ترقيعية إلى إصلاح هيكلي شامل، مدعوم بارتفاع كبير في الميزانية التي تضاعفت تقريبا من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم في أفق 2026.

ففي الوقت الذي تقدم فيه هذه الأرقام كدليل على تحول نوعي، تكشف تقارير دولية ومؤسسات بحثية أن المنظومة الصحية ما تزال تواجه اختلالات بنيوية عميقة، فقد أشار تقرير لوكالة رويترز (Reuters) حول القطاع الصحي في المغرب سنة 2025 إلى استمرار نقص حاد في الأطباء والتجهيزات الطبية وسوء تدبير الخدمات داخل المستشفيات العمومية، مع تسجيل خصاص واضح في المناطق القروية والهامشية، ما يعكس استمرار الفوارق المجالية رغم الإصلاحات المعلنة.

كما أكد تقرير صادر عن الشبكة العربية للمنظمات غير الحكومية للتنمية (ANND) حول الحق في الصحة في المغرب أن النظام الصحي يعاني من ضعف التمويل العمومي وارتفاع العبء المالي على المواطنين، حيث يتحمل المواطنون نسبة مهمة من تكاليف العلاج، وهو ما يحد من مبدأ العدالة في الولوج إلى العلاج ويعمق الفوارق الاجتماعية.

وفي الاتجاه نفسه، تشير تقارير البنك الدولي (World Bank) إلى أن الإنفاق الصحي في المغرب لا يزال دون المعدلات الموصى بها دوليا، مع وجود تحديات مرتبطة بـالحكامة وضعف الكفاءة في توزيع الموارد الصحية، وهو ما ينعكس سلبا على جودة الخدمات واستدامتها.

ورغم إعلان الحكومة عن تأهيل مئات المراكز الصحية وإطلاق مشاريع استشفائية كبرى، فإن الفجوة بين التخطيط والتنفيذ تظل حاضرة بقوة. فالأرقام المتعلقة بعدد الأسرة الجديدة أو المشاريع المصادق عليها لا تعكس بالضرورة تحسناً فورياً في الخدمات، خاصة في ظل تأخر إنجاز عدد من المشاريع وضعف التأطير البشري.

كما أن الحديث عن تحسين وضعية الموارد البشرية عبر أنظمة تحفيزية لا يخفي حجم الضغط الذي يعانيه الأطر الصحية داخل المستشفيات العمومية، وهو ما ينعكس على جودة الاستقبال والعلاج، هذه الاختلالات كانت من بين أبرز دوافع الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدها المغرب في احتجاجات شتنبر 2025 في المغرب، والتي عبر فيها مواطنون عن استيائهم من تدهور الخدمات الصحية والتعليمية على حد سواء.

أما على مستوى البنية التحتية، فرغم الإعلان عن توسع في كليات الطب والمراكز الاستشفائية الجامعية، فإن تقارير الخبراء تشير إلى أن النقص في الموارد البشرية الصحية ما يزال هيكليا، وهو ما يجعل أي توسع في العرض الصحي رهيناً بمدى القدرة على تكوين وتأطير الأطر الطبية بشكل كاف.

تُظهر معاناة سكان القرى والمناطق الجبلية في المغرب صورة واضحة عن عمق الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية، حيث تتحول أبسط الحقوق، مثل العلاج الأولي، إلى تحدٍ يومي شاق. ففي العديد من مناطق الأطلس والريف والقرى النائية، يواجه السكان غياباً شبه دائم للأطباء في المستوصفات المحلية، ما يجعل هذه المرافق مجرد بنايات بلا خدمة فعلية، أو تعمل بشكل متقطع فقط خلال زيارات قوافل طبية موسمية.

وتشير تقارير صحفية ميدانية، من بينها تحقيقات منشورة على منصات إعلامية وطنية، إلى أن بعض المستوصفات تخدم مئات الأسر دون وجود طبيب قار، مما يضطر المرضى إلى قطع عشرات الكيلومترات نحو مستشفيات بعيدة في ظروف طرق صعبة، خاصة بالنسبة للنساء الحوامل وكبار السن والأطفال، وهو ما يفاقم المخاطر الصحية ويؤخر التدخلات العلاجية الضرورية.

ولا تقتصر المعاناة على غياب الأطباء فقط، بل تمتد إلى بعد المسافة عن المستشفيات الإقليمية والجهوية، حيث يضطر سكان الجبال إلى التنقل عبر مسالك وعرة قد تُغلق أحياناً بسبب الثلوج أو الفيضانات، ما يجعل الوصول إلى العلاج أمراً غير مضمون. هذه العزلة الجغرافية تتضاعف حدتها خلال فصل الشتاء، حين تنقطع بعض الطرق كلياً، فتتحول حالات مرضية بسيطة إلى حالات حرجة بسبب تأخر الإسعاف أو صعوبة النقل.

كما يؤكد عدد من التقارير حول التنمية في المناطق الجبلية أن هذه المناطق، رغم ثرواتها الطبيعية، تعاني من ضعف كبير في البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما فيها الصحة، مما يعمّق شعور الساكنة بالتهميش ويجعل الحق في العلاج غير متكافئ بين سكان المدن والقرى النائية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى