وزيرة الاقتصاد المالية تُؤجل كرامة المتقاعدين إلى أجل مجهول

عبدالعزيز رجاء الرئيس الموسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب 

في الوقت الذي كان فيه الرأي العام ينتظر جواباً صريحاً ومسؤولاً حول ملف التقاعد، اختارت السيدة وزيرة الاقتصاد والمالية  مؤحرا (في لقاء صحفي)  أن تُمعن في لغة التعميم، متجنبة الخوض المباشر في واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية إلحاحاً وعدالة:  الزيادة في المعاشات. هذا التجنب لم يكن بريئاً، بل يعكس توجهاً حكومياً يفضل الالتفاف اللغوي على المواجهة السياسية، ويؤجل الإنصاف إلى أجل غير معلوم.

إن ربط الوزيرة بين استمرار الإصلاحات الاجتماعية ــ في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية ــ وبين ضرورة الحفاظ على “صلابة الاقتصاد”، يبدو في ظاهره خطاباً عقلانياً، لكنه في العمق تلاعب بالمفاهيم. إذ يتم تقديم الأمر وكأن إنصاف المتقاعدين يشكل تهديداً للتوازنات المالية، بينما الحقيقة أن هذه الفئة هي جزء أصيل من مفهوم الدولة الاجتماعية، وليست عبئاً عليها.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذا الخطاب عن الواقع الذي تعيشه فئة المتقاعدين، والذي وصفته هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب (ORCM) بدقة حين نبهت إلى المسار التعثري للحوار الاجتماعي، الذي أصبح موسميّاً مرتبطاً بفاتح ماي، بدل أن يكون آلية مؤسساتية دائمة تضمن الحقوق. بل الأخطر من ذلك، هو إقصاء المتقاعدين من هذا الحوار، رغم أن القرارات المتخذة تمس بشكل مباشر معاشاتهم وقدرتهم الشرائية، مما يكرّس حالة مقلقة من “اللايقين الاجتماعي”.

إن تجاهل الوزيرة لهذا الملف في خرجتها الإعلامية، يتقاطع مع ما سجلته الهيئة من إخلال الحكومة بالتزاماتها الواردة في الميثاق الوطني لمأسسة الحوار الاجتماعي (أبريل 2022)، خاصة من خلال تغييب جولات حاسمة وعدم إشراك المتقاعدين كطرف أصيل. فكيف يمكن الحديث عن إصلاحات اجتماعية شاملة، بينما يتم إقصاء شريحة قدمت عقوداً من الخدمة والتضحيات وراكمت تجارب وخبرات؟

الأخطر في خطاب الوزيرة هو إعادة ترتيب الأولويات بشكل مقلوب: فبدل أن يكون السؤال هو كيف نرفع المعاشات بشكل عاجل لمواجهة التضحم وموجة الغلاء، يصبح النقاش محصوراً في الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية. وهنا تبرز المفارقة: هل التوازنات المالية غاية في حد ذاتها، أم وسيلة لضمان كرامة المواطن؟

إن المتقاعدين اليوم يواجهون وضعاً لا يحتمل التأجيل. فالمعاشات مجمدة منذ أكثر من 27 سنة، في وقت تتسارع فيه وتيرة التضخم وارتفاع كلفة المعيشة.

كما أن هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب  ترفض بشكل قاطع ربط أي تحيين محتمل للمعاشات بورش إصلاح أنظمة التقاعد، لأنه يجعل من الحق الاستعجالي والعادل رهينة لمسارات تشريعية وتقنية طويلة ومعقدة.

إن الزيادة في المعاش ليست منحة، ولا صدقة ظرفية، بل هي حق مكتسب واستحقاق فوري. وقد أكدت تقارير مؤسسات دستورية ولجان تقصي برلمانية أن المتقاعدين لم يكونوا سبباً في اختلالات صناديق التقاعد، وبالتالي لا يمكن تحميلهم كلفة إصلاحها.

وفي هذا الإطار، تطالب هذه الهيئة من السيدة الوزيرة ومن السلطات التشريعية بشكل خاص العمل على  مراجعة القانون رقم 11.71، خاصة المادة 44، الذي أصبح مطلبا وضرورة ملحة لفك الارتباط المجحف الذي أدى إلى تجميد المعاشات، وإقرار آلية تلقائية تضمن تحيينها بما يتماشى مع ارتفاع كلفة المعيشة. لأن ترك المعاش رهينة قرارات ظرفية هو في حد ذاته تكريس للهشاشة.

كما أن الاستمرار في اختزال المتقاعد في كونه “عبئاً مالياً” يعكس قصوراً في الرؤية الاقتصادية. فالمقاربة الحديثة تدعو إلى تبني مفهوم ما يسمى ب“الاقتصاد الفضي”، الذي يحول خبرات المتقاعدين إلى قيمة مضافة داخل الدورة الاقتصادية، بدل تهميشهم وإقصائهم.

إن ما يُثير القلق ليس فقط صمت الوزيرة، بل الرسالة الضمنية التي يحملها هذا الصمت: أن ملف التقاعد ليس أولوية آنية. والحال أن إنصاف المتقاعدين هو الاختبار الحقيقي لأي حديث عن الدولة الاجتماعية. فهذه الفئة ليست رقماً في معادلة، بل هي ذاكرة الدولة وسندها.

في الختام، يبقى السؤال قائماً بإلحاح:

إلى متى سيظل المتقاعد ينتظر؟

وإلى متى ستظل الحكومة تختبئ وراء لغة الأرقام، بدل اتخاذ قرار سياسي شجاع يُعيد الاعتبار لمن بنوا هذا الوطن؟

لأن تحيين المعاشات ليس مجرد إجراء مالي، بل هو استثمار أخلاقي ورسالة وفاء  .إنصاف متقاعدي الأمس هو الضمانة الوحيدة لاستقرار وثقة موظفي وأجراء اليوم في مستقبلهم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى