بين تضخم الأرقام وتراجع الجودة.. حصيلة أخنوش في التعليم تحت مجهر التناقض

أميمة حدري
استعرض رئيس الحكومة عزيز أخنوش حصيلة قطاع التربية والتكوين بلغة أرقام وصفت بـ “الطموحة”، مقدما سردية رسمية توحي بأن ورش الإصلاح يسير بثبات نحو تحقيق أهدافه، غير أن هذه الصورة الرقمية سرعان ما تتقاطع مع مؤشرات ميدانية وتقارير مستقلة تكشف واقعا أكثر تعقيدا، حيث يتحول تضخم الأرقام إلى مادة للنقاش بدل أن يكون دليلا حاسما على النجاعة.
في واجهة هذا العرض الرقمي، أكد أخنوش جلسة عمومية مشتركة بين الغرفتين مخصصة لعرض حصيلة عمل الحكومة، على بلوغ نسبة تعميم التعليم الأولي 80 في المائة خلال الموسم الدراسي 2025/2026، بما يعادل 985 ألف طفل مستفيد، وهو رقم يعكس مجهودا كميا لا يمكن إنكاره. غير أن هذا التوسع، على أهميته، يطرح سؤالا موازيا حول جودة التأطير وظروف التعلم، خاصة وأن التعليم الأولي يشكل الحلقة التأسيسية التي تبنى عليها باقي المسارات الدراسية، ما يجعل أي اختلال في هذه المرحلة مضاعف الأثر على المدى البعيد.
ويزداد هذا التناقض وضوحا عند التوقف عند مشروع “مدارس الريادة”، الذي قدم باعتباره حجر الزاوية في إصلاح المدرسة العمومية. فالأرقام التي أعلن عنها أخنوش، تكشف انتقالا من 626 مدرسة ابتدائية سنة 2023 إلى 4626 مؤسسة خلال الموسم الحالي، تضم حوالي مليوني تلميذ وتلميذة، مع هدف بلوغ تغطية تصل إلى 80 في المائة من التلاميذ. غير أن هذا التوسع السريع، الذي يبدو في ظاهره مؤشرا إيجابيا، يثير في العمق تساؤلات حادة حول قدرة المنظومة على مواكبة هذا الانتشار من حيث التأطير والموارد والتتبع البيداغوجي.
وفي هذا السياق، لا تبدو أرقام التأطير مطمئنة بالقدر الكافي، إذ تحدث المسؤول الحكومي عن مواكبة وتأطير من طرف أكثر من 960 مفتشا تربويا، وهو رقم يبدو محدودا بالنظر إلى آلاف المؤسسات المعنية، خاصة وأن المشروع يتطلب زيارات منتظمة ومواكبة دقيقة لضمان جودة التنزيل، وهو ما أكده تقرير سابق للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، الذي سجل عجزا واضحا في تغطية المؤسسات، خصوصا في العالم القروي، حيث تتعاظم الحاجة إلى التأطير بدل أن تتقلص.
ولا يقف التحدي عند حدود الموارد البشرية، بل يمتد إلى البنيات والتجهيزات، حيث تصطدم شعارات “الابتكار التربوي” بواقع مدارس تفتقر إلى شروط أساسية مثل الكهرباء والإنترنت والفضاءات الملائمة، ما يحول جزءا من هذا المشروع إلى تجربة غير مكتملة في مناطق واسعة، ويعمق الفوارق بين التلاميذ بدل تقليصها.
وفي مستوى آخر، قدم رئيس الحكومة أرقاما تتعلق بتوسيع “إعداديات الريادة”، التي بلغت 786 مؤسسة يستفيد منها نحو 677 ألف تلميذ، إلى جانب التأكيد على تجهيز المدارس بوسائل بيداغوجية جديدة. غير أن هذه المعطيات، رغم أهميتها، تصطدم بشهادات ميدانية تتحدث عن تأخر في توفير المعدات، وغياب الحواسيب في عدد من المؤسسات، وتأخر تنزيل الدعم البيداغوجي، وهو ما يفرغ جزءا من هذه الأرقام من مضمونها الفعلي.
كما تم الترويج لأرقام اجتماعية مرافقة، من قبيل رفع عدد المستفيدين من الداخليات إلى أكثر من 172 ألف تلميذ، وبلوغ عدد المستفيدين من النقل المدرسي حوالي 700 ألف، وهي مؤشرات تعكس مجهودا في تحسين شروط التمدرس، خاصة في العالم القروي. غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تظل ذات طابع تكميلي، لا تمس جوهر الإشكال المرتبط بجودة التعلمات ونجاعة المدرسة العمومية.
وفي مقابل هذا الخطاب الرقمي، تأتي معطيات علمية أكثر دقة لتكشف عن اختلالات عميقة، حيث أظهرت دراسة حديثة أن متوسط كفاءة المدارس الابتدائية لا يتجاوز 0.63، ما يعني أن المؤسسات التعليمية تشتغل بأقل من طاقتها الحقيقية، مع تسجيل مستويات أضعف في الوسط القروي.
ويتعزز هذا التباين أيضا بمواقف فاعلين جمعويين، إذ سجلت الجمعية المغربية لحقوق التلميذ استمرار ظواهر الاكتظاظ والخصاص في الأطر، إلى جانب تعثر مشروع “مدارس الريادة”، خاصة في السلك الإعدادي، بسبب غياب الوسائل وتأخر التجهيزات. كما تحدثت عن ارتباك في تنزيل الإصلاحات، وضبابية في مهام بعض الأطر، وتأخر في الالتزامات التنظيمية، ما يعكس اختلالا في تدبير الزمن المدرسي نفسه.
وفي خلفية هذا المشهد، يتصاعد الاحتقان داخل القطاع، مع إعلان المختصين التربويين والاجتماعيين عن خطوات احتجاجية جديدة، احتجاجا على ما يعتبرونه “استمرارا في تجاهل مطالبهم وغياب حوار جدي”، وهو ما يكشف أن أزمة التعليم لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت أيضا أزمة ثقة داخل المنظومة.
وفي الختام، يتضح أن أرقام الإصلاح، على كثافتها، لا تكفي وحدها لصناعة نجاح فعلي، إذ تظل القيمة الحقيقية لأي سياسة تعليمية رهينة بقدرتها على تحويل هذه الأرقام إلى جودة ملموسة داخل الفصول الدراسية، ليظل إصلاح التعليم في المغرب معلقا بين طموح مشروع لم يكتمل بعد، ومنظومة تبحث عن توازن مفقود بين الكم والكيف.





