تقلبات أسعار الخضر بالمغرب..بين منطق الربح ومسؤولية الأمن الغذائي

بشرى عطوشي
يثير سلوك جزء من الفلاحين المغاربة، خاصة في سلاسل إنتاج الخضر الأساسية كالبصل والطماطم، نقاشًا متجددًا كلما تأرجحت الأسعار بين الارتفاع والانخفاض.
ففي لحظات الغلاء، يلتزم كثير من المنتجين الصمت، تاركين السوق يشتعل دون تدخل يُذكر أو خطاب يطمئن المستهلك. لكن، وما إن تنخفض الأسعار حتى ترتفع أصوات الشكوى والتذمر، ويُطرح خطاب الخسارة والبحث عن بدائل، يصل أحيانًا إلى حد التلويح بنقل الاستثمارات نحو بلدان إفريقية كـموريتانيا أو السنغال.
هذا التناقض الظاهر يفرض قراءة أعمق، تتجاوز الأحكام السطحية، لفهم منطق الفاعل الفلاحي داخل منظومة اقتصادية معقدة.
من زاوية أولى، لا يمكن إنكار أن الفلاح، حتى الكبير منه، يشتغل في بيئة تتسم بعدم الاستقرار.
الإنتاج الفلاحي يظل رهينًا بعوامل مناخية، وتكاليف متقلبة (البذور، الأسمدة، النقل)، وسوق غالبًا ما تفتقد لآليات ضبط فعالة. في هذا السياق، حين ترتفع الأسعار، يعتبر المنتج ذلك تعويضًا عن سنوات أو مواسم خاسرة، وليس بالضرورة فرصة لاقتسام الربح مع المستهلك، لكن هذا التبرير، رغم وجاهته الاقتصادية، لا يعفي من مساءلة غياب حس التوازن داخل السوق، خاصة حين يتحول الغلاء إلى عبء ثقيل على القدرة الشرائية للمواطن.
في المقابل، عند انخفاض الأسعار، تنكشف هشاشة النموذج الفلاحي القائم. فالفلاح الذي لم يستثمر في آليات التخزين أو التحويل، يجد نفسه مجبرًا على بيع منتوجه بأثمنة منخفضة، أحيانًا دون كلفة الإنتاج.
هنا تبدأ الشكاوى، ويتحول الخطاب من منطق السوق إلى منطق الأزمة. غير أن هذا التحول يطرح إشكالًا بنيويًا: لماذا لا يتم الاستعداد لهذه الدورات الطبيعية للأسعار؟ ولماذا يظل جزء كبير من الفاعلين رهينًا لاقتصاد ظرفي، يزدهر في الغلاء ويختنق في الرخاء؟
أما التلويح بنقل الاستثمارات إلى الخارج، فهو مؤشر أكثر حساسية.
صحيح أن بعض الدول الإفريقية تقدم تحفيزات مغرية، من حيث العقار والمياه والضرائب، لكن استخدام هذا الخيار كورقة ضغط في النقاش الداخلي يكشف عن علاقة ملتبسة بين الاستثمار الفلاحي والانتماء الوطني.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بحرية الاستثمار، بل بمدى استعداد الفاعل الاقتصادي لتحمل جزء من المسؤولية الاجتماعية داخل بلده، خاصة في قطاعات تمس الأمن الغذائي بشكل مباشر.
غير أن تحميل الفلاح وحده مسؤولية هذا الوضع يظل تبسيطًا مخلًا، فالحكومة بدورها مطالبة بإرساء سياسات فلاحية أكثر توازنًا، تضمن: تنظيم سلاسل التوزيع للحد من المضاربات، توفير بنية تخزين وتحويل لتخفيف ضغط الوفرة، وضع آليات تسقيف أو توجيه للأسعار في حالات التقلب الحاد، وتشجيع التعاقد بين المنتجين والأسواق لضمان استقرار نسبي.
في النهاية، يعكس هذا الجدل خللًا أعمق في العلاقة بين السوق والمجتمع. فالفلاح ليس مجرد منتج، بل فاعل أساسي في معادلة الاستقرار الاجتماعي.
وحين يغيب التوازن بين منطق الربح والمسؤولية، يتحول النقاش من اقتصاد إلى أخلاق، ومن أرقام إلى ثقة مفقودة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اتهام هذا الطرف أو ذاك، بل في بناء نموذج فلاحي قادر على تحقيق الربح والاستقرار معًا، دون أن يكون أحدهما على حساب الآخر.





