المساعد التربوي الاجتماعي .. خط الدفاع الأول ضد العنف

بشرى عطوشي
تتصاعد في السنوات الأخيرة مظاهر العنف داخل وخارج المؤسسات العمومية، وعلى رأسها المؤسسات التعليمية، بما يعكس تحولات اجتماعية ونفسية عميقة تتجاوز حدود الفضاء المدرسي لتتصل ببنية المجتمع ككل. لم يعد العنف المدرسي مجرد سلوك فردي معزول، بل أضحى ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية وثقافية وتربوية، وتستدعي مقاربة متعددة الأبعاد تتجاوز الحلول الظرفية أو الأمنية الضيقة.
يرتبط تنامي هذه الظاهرة بجملة من المحددات، من أبرزها هشاشة التأطير الأسري في ظل التحولات التي مست بنية الأسرة، وضغط الأوضاع الاقتصادية، إضافة إلى تأثير الفضاء الرقمي الذي أصبح مصدراً لنماذج سلوكية عنيفة يتم استنساخها داخل الواقع المدرسي. كما أن الاكتظاظ داخل الأقسام وضعف المواكبة النفسية والتربوية يسهمان في تفاقم حالات الاحتقان، مما يحول المؤسسة التعليمية من فضاء للتنشئة إلى مجال لتفريغ التوترات.
في هذا السياق، يبرز قصور المقاربات التقليدية التي تركز على الجانب الزجري أو الأمني فقط، حيث أثبتت التجارب أن التعاطي الأمني، رغم ضرورته في بعض الحالات، لا يمكن أن يشكل حلاً مستداماً.
فالعنف، باعتباره تعبيراً عن اختلالات عميقة، يتطلب معالجة وقائية قائمة على إعادة بناء العلاقة بين المدرسة والأسرة، في إطار إشراف تربوي مشترك يعيد توزيع الأدوار ويؤسس لشراكة فعلية في عملية التنشئة.
إن الإشراف التربوي المشترك بين المنظومة التعليمية والأسرة يشكل أحد المفاتيح الأساسية للحد من هذه الظاهرة، إذ يسمح بتوحيد الخطاب التربوي وتقليص التناقضات التي يعيشها المتعلم بين البيت والمدرسة. كما يتيح هذا النموذج رصد بوادر الانحراف السلوكي في مراحل مبكرة، والتدخل بشكل استباقي قبل أن تتحول إلى أفعال عنيفة أو سلوكات خطرة.
ضمن هذه المقاربة، يبرز دور المساعد الاجتماعي داخل المؤسسات التعليمية كآلية مركزية في الوقاية والتدخل. فالمساعد الاجتماعي لا يقتصر دوره على معالجة الحالات الطارئة، بل يمتد إلى التشخيص المبكر، والمواكبة النفسية والاجتماعية للتلاميذ، وربط جسور التواصل مع الأسر، فضلاً عن التنسيق مع الفاعلين التربويين والإداريين. وقد أظهرت تجارب ميدانية أن وجود هذا التخصص داخل المؤسسة يساهم بشكل ملموس في تقليص نسب العنف، والحد من الهدر المدرسي، ومعالجة الإشكالات السلوكية قبل تفاقمها.
كما أن أهمية هذا الدور تتعزز في سياق الحاجة إلى حماية الأطر التربوية والإدارية نفسياً ومهنياً، في ظل تزايد حالات الاعتداء اللفظي والجسدي، فالمساعد الاجتماعي يمكن أن يشكل حلقة دعم داخلية، تساهم في تفكيك بؤر التوتر، وتقديم الدعم النفسي، واقتراح حلول عملية لتدبير الأزمات داخل المؤسسة.
من جهة أخرى، فإن إعادة الاعتبار لهذا التخصص ينسجم مع مخرجات المعاهد التكوينية التطبيقية التي تزود سنوياً سوق الشغل بكفاءات مؤهلة في مجالات العمل الاجتماعي والتربوي، وهو ما يطرح سؤالاً حول مدى استثمار هذه الموارد البشرية داخل المنظومة التعليمية.
إن إدماج المساعدين الاجتماعيين بشكل ممنهج داخل كل مجموعة مدرسية والمؤسسات الإعدادية والتأهيلية يعد خياراً استراتيجياً، وليس مجرد إجراء تكميلي.
بناءً على ذلك، يبدو أن وزارة التربية الوطنية مدعوة اليوم إلى تبني رؤية شمولية تعيد ترتيب أولويات التدبير التربوي، من خلال إدماج البعد الاجتماعي والنفسي كركيزة أساسية، وليس كعنصر ثانوي.
إن تعزيز حضور المساعد الاجتماعي، إلى جانب تفعيل الإشراف التربوي المشترك، من شأنه أن يساهم في بناء بيئة مدرسية آمنة، قادرة على أداء وظائفها التربوية بعيداً عن منطق رد الفعل.
ولهذا فإن مواجهة ظاهرة العنف داخل المؤسسات العمومية لا يمكن أن تتحقق عبر إجراءات معزولة، بل تتطلب هندسة متكاملة للسياسات التربوية والاجتماعية، يكون فيها الإنسان، بتوازنه النفسي والاجتماعي، في صلب العملية التعليمية.
وفي هذا الإطار، يشكل الاستثمار في المساعدة الاجتماعية داخل المدرسة أحد أهم المداخل الواقعية والناجعة لتفادي مآسٍ كان بالإمكان الوقاية منها، لو توفرت آليات التدخل المبكر والتأطير المستمر.





