“الأرقام لا تعكس معاناة المغاربة”.. حموني يفكك الحصيلة الحكومية ويضع أخنوش أمام اختبار الأثر

حسين العياشي
حوّل النقاش البرلماني حول الحصيلة الحكومية جلسة التقييم إلى ساحة مساءلة سياسية مفتوحة، بعدما فجّر تدخل رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، موجة انتقادات حادة أعادت توجيه البوصلة من أرقام العرض إلى حقائق الأثر، ومن لغة الإنجاز المعلن إلى امتحان الواقع المعيش.
واستهل حموني مداخلته بنبرة حاسمة، مؤكداً أن لحظة مناقشة الحصيلة لا ينبغي أن تختزل في طقس دستوري عابر، بل تمثل “امتحان مكاشفة” تُعرض فيه السياسات العمومية على ميزان الالتزام الفعلي مع المواطنين. فالتقييم، في تصوره، لا يُقاس بوفرة المؤشرات الكمية أو تضخيم الاعتمادات، بل بمدى ترجمة الوعود إلى نتائج ملموسة تُحسّن شروط العيش وتستعيد الثقة في الفعل العمومي.
وفي مقاربة حاول من خلالها الجمع بين الإنصاف والنقد، سجّل المتحدث بعض الجوانب التي اعتبرها إيجابية في الأداء الحكومي، قبل أن ينتقل إلى تفكيك ما وصفه باختلالات بنيوية تُضعف مصداقية الحصيلة. واستند في ذلك إلى ثلاثة محددات رئيسية: أولها فجوة واضحة بين مضامين البرنامج الحكومي وما تحقق على الأرض، وثانيها تقارير مؤسسات الحكامة التي ترصد مؤشرات مقلقة، وثالثها واقع اجتماعي “لا يكذب”، تتجلى ملامحه في تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، وتزايد هشاشة المقاولات والخدمات العمومية.
وانتقد حموني ما اعتبره خلطاً سياسياً في عرض المنجزات، حيث تُنسب للحكومة مكتسبات تراكمت عبر سنوات وسياسات سابقة، دون تدقيق في حدود المسؤولية الزمنية والسياسية لكل إجراء. كما أثار مسألة غياب سنة مرجعية موحدة لاحتساب المؤشرات، معتبراً أن هذا الارتباك يفتح الباب أمام تقديم صورة منقوصة أو انتقائية للواقع، بما يُفرغ الأرقام من دلالتها التقييمية الحقيقية.
وفي قلب المرافعة النقدية، برز ملف التشغيل باعتباره الحلقة الأضعف في السردية الحكومية، إذ أشار المتحدث إلى الهوة بين وعد إحداث مليون منصب شغل والنتائج المسجلة فعلياً، وفق الأرقام الرسمية نفسها. هذه الفجوة، في تقديره، تعكس تعثراً في السياسات الاقتصادية وعدم قدرة نموذج النمو المعتمد على خلق دينامية تشغيلية قادرة على امتصاص البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.
وامتد النقد إلى بنية الاقتصاد الوطني، حيث اعتبر حموني أن التحول الهيكلي الموعود لم يتحقق، وأن ضعف القاعدة الصناعية واستمرار الاعتماد على الواردات يفاقمان العجز التجاري ويحدّان من هامش السيادة الاقتصادية. وفي المقابل، تواصل فاتورة الطاقة والمواد الغذائية استنزاف الموارد، دون أن يواكب ذلك تحسن ملموس في مستوى عيش المواطنين.
أما في الشق الاجتماعي، فقد وجّه المتحدث انتقاداً مباشراً لمفهوم “الدولة الاجتماعية” كما تم تنزيله، معتبراً أنه تحوّل إلى عنوان سياسي فاقد للعمق، في ظل استمرار موجة الغلاء وتآكل القدرة الشرائية واتساع رقعة الهشاشة. واعتبر أن توسيع برامج الدعم، رغم أهميته، لا يمكن أن يُقدَّم كإنجاز قائم بذاته، بقدر ما يعكس اختلالات بنيوية في توزيع الثروة وفعالية السياسات الاجتماعية.
ولم تغب القطاعات الحيوية عن دائرة المساءلة، إذ توقف عند أوضاع الصحة والتعليم، مشيراً إلى استمرار الفوارق المجالية وضعف جودة الخدمات، مقابل تنامٍ متسارع لدور القطاع الخاص، بما يثير تساؤلات حول اتجاهات الإصلاح وحدود تكافؤ الفرص في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وعلى مستوى الحكامة، رسم حموني صورة قاتمة لتطور مؤشرات الشفافية ومحاربة الفساد، متحدثاً عن تراجع في التفاعل مع المؤسسات الدستورية، وتقييد لأدوار البرلمان، سواء في وظيفته التشريعية أو الرقابية، وهو ما اعتبره عاملاً يغذي أزمة الثقة ويعمّق المسافة بين المواطن والمؤسسات.
وفي خلاصة مداخلته، شدد على أن الحصيلة الحكومية، مهما زخرت بالأرقام، تظل ناقصة ما لم تنعكس بوضوح على حياة المواطنين، داعياً إلى مراجعة عميقة للاختيارات العمومية وفتح أفق سياسي جديد أكثر التصاقاً بانتظارات المجتمع، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات المقبلة.





