دعم بمليارات وواقع متأزم.. بوانو يعرّي اختلالات التدبير وتضارب المصالح أمام أخنوش

حسين العياشي

انتقد عبد الله بوانو الحصيلة الحكومية بنبرة حادة أعادت توجيه بوصلة النقاش من لغة الأرقام إلى سؤال الأثر، واضعاً التجربة الحكومية برمتها أمام ميزان مختلف، لا يُقاس فيه النجاح بما يُعرض تحت قبة البرلمان، بل بما ينعكس فعلياً في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.

منذ مستهل مداخلته، كسر رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية الإيقاع التقليدي لجلسات التقييم، متجاوزاً العرض الوصفي للمنجزات نحو مساءلة عمق الاختيارات، ومثيراً جدلاً حول توقيت تقديم الحصيلة، الذي بدا، في تقديره، أقرب إلى منطق التسويق السياسي منه إلى لحظة محاسبة حقيقية، خاصة في سياق يسبق الاستحقاقات التشريعية بأشهر قليلة. وفي هذا الإطار، لم يُخفِ بوانو قلقه من تراجع منسوب الثقة في الأداء الحكومي، مستحضراً ما اعتبره غياباً لروح المساءلة، في ظل ابتعاد رئيس الحكومة عن جلسات الرقابة الشهرية.

حصيلة تحت نيران الاتهامات

وفي تفكيك مباشر لمضمون الحصيلة، اعتبر بوانو أن الحكومة قدّمت نموذجاً “غير مسبوق”، ليس من حيث الإنجاز، بل من حيث حجم الاحتجاجات التي رافقت تدبيرها، معتبراً أن أبرز “نجاحاتها” تمثلت في تكريس تضارب المصالح داخل عدد من القطاعات. واستعرض في هذا الإطار سلسلة من الصفقات التي أثارت، بحسبه، جدلاً واسعاً، من بينها مشاريع تحلية مياه البحر، وصفقات الفيول، والغاز الطبيعي بمنطقة تندرارة، فضلاً عن استيراد المحروقات، وصولاً إلى ما وصفه بـ”التطبيع مع الفساد” والتراجع عن عدد من النصوص القانونية.

وامتد النقد إلى ملف الدعم العمومي، حيث أشار المتحدث إلى أن حجم الاعتمادات التي عبّأتها الحكومة تجاوز 60 مليار درهم بين سنتي 2021 و2026، توزعت بين دعم الاستيراد والدعم المباشر، غير أنه طرح سؤالاً مركزياً بصيغة استنكارية: “مقابل ماذا؟”، في إشارة إلى غياب أثر ملموس لهذه المبالغ على الواقع المعيشي للمواطنين.

صفقات بالمليارات وأسئلة بلا أجوبة


وفي سياق متصل، أثار بوانو قضية استفادة بعض المنتخبين من برامج الدعم، كاشفاً أن برلمانياً استفاد من دعم لاستيراد آلاف رؤوس الماشية، معتبراً أن مآلات هذه السياسات انتهت إلى وضع غير مسبوق، بلغ حد “إلغاء عيد الأضحى”، في توصيف يحمل شحنة سياسية قوية ويعكس عمق الانتقادات الموجهة للخيارات الحكومية.

كما توقف عند ملف نقل المياه بين الأحواض المائية، معتبراً أن الصفقة التي همّت تحويل المياه من حوض سبو إلى أبي رقراق، والتي بلغت قيمتها نحو 5.9 مليار درهم، أُنجزت وفق مسطرة تفاوضية دون منافسة، بناءً على استثناء صادق عليه رئيس الحكومة. وطرح في هذا السياق تساؤلات حول الجهة المشرفة على هذه المشاريع، منتقداً إسنادها إلى وكالة الاستثمار الفلاحي بدل وزارة التجهيز، ومشيراً إلى ما وصفه بـ”وعود مسبقة” لفائدة شركات بعينها.

القدرة الشرائية في قلب المواجهة


وفي الشق الاجتماعي، شدد بوانو على أن المؤشرات الميدانية، كما تعكسها أرقام المندوبية السامية للتخطيط، تؤكد تراجع القدرة الشرائية بشكل ملحوظ، مستحضراً الارتفاع الكبير في أسعار المواد الأساسية، من المحروقات إلى اللحوم، حيث انتقلت الأسعار، بحسبه، إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بالفترات السابقة.

ولم يغفل المتحدث جانب الحكامة، إذ اتهم الحكومة باللجوء إلى “تشريع على المقاس” في عدد من القطاعات، من بينها الأدوية والعسل، إلى جانب ما وصفه بتكريس منطق التعيينات الحزبية، حيث تم تسجيل مئات التعيينات خلال الولاية، استحوذ فيها حزب الأغلبية على النصيب الأكبر، وفق تعبيره.

وفي خلاصة مداخلته، رسم بوانو صورة قاتمة لحصيلة الحكومة، معتبراً أن المغرب يعيش واحدة من أصعب مراحله، حيث “اعتُني بالكبار” على حساب الفئات الهشة، التي وجدت نفسها، بحسب وصفه، في مواجهة مباشرة مع تداعيات الغلاء وتراجع الخدمات، في مشهد يعمّق فجوة الثقة ويؤجج الاحتقان الاجتماعي.

وبين دفاع حكومي يستند إلى لغة الأرقام، ومعارضة تصعّد خطابها السياسي مستندة إلى مؤشرات الواقع، تتجه المواجهة تحت قبة البرلمان نحو مزيد من التوتر، عنوانها الأبرز: هل تُقاس الحصيلة بما تُعلنه الحكومة.. أم بما يعيشه المواطن في تفاصيل يومه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى