أرقام رسمية لا تُطمئن.. مندوبية التخطيط تؤكد تآكل القدرة الشرائية للمغاربة

حسين العياشي
سجّل مؤشر أسعار الاستهلاك بالمغرب خلال شهر مارس 2026 منحى تصاعدياً جديداً، مؤكداً استمرار الضغوط التضخمية، وإن بوتيرة تبدو في ظاهرها معتدلة، لكنها تخفي في عمقها تحولات لافتة في بنية الأسعار وتوزيعها بين مختلف مكونات الاستهلاك اليومي للأسر.
فوفق المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، ارتفع المؤشر بنسبة 0,9 في المائة على أساس سنوي، في دلالة على امتداد موجة الارتفاع لتشمل كلاً من المواد الغذائية والمنتجات غير الغذائية، بما يعكس دينامية تضخمية موزعة وليست محصورة في قطاع بعينه. وبينما سجلت المواد الغذائية زيادة بـ0,6 في المائة، بدت وتيرة ارتفاع المنتجات غير الغذائية أكثر وضوحاً، إذ بلغت 1,1 في المائة، مدفوعة خصوصاً بصعود أسعار عدد من الخدمات والمواد المرتبطة بالاستهلاك اليومي.
غير أن القراءة الدقيقة لهذه الأرقام تكشف أن ما يبدو استقراراً نسبياً على أساس سنوي، يخفي ضغطاً أكثر حدة على المستوى الشهري، حيث ارتفعت الأسعار بنسبة 1,2 في المائة مقارنة بشهر فبراير، في قفزة تعود أساساً إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 1,9 في المائة. وفي قلب هذه الزيادة، تبرز الخضر باعتبارها المحرك الرئيسي لهذا الارتفاع، إلى جانب الفواكه واللحوم ومنتجات البحر، ما يعكس حساسية السوق الغذائية للتقلبات الموسمية وظروف العرض.
وفي مقابل هذا المنحى التصاعدي، سجلت بعض المواد تراجعاً محدوداً، على غرار الزيوت والدهون، في مؤشر على تباين مسارات الأسعار داخل السلة الغذائية، غير أن هذا التراجع لم يكن كافياً لكبح الاتجاه العام نحو الارتفاع.
أما في ما يتعلق بالمواد غير الغذائية، فقد بدت الزيادة أكثر اعتدالاً، في حدود 0,6 في المائة على أساس شهري، غير أن أسعار المحروقات برزت كأحد أبرز عناصر الضغط، ما يعزز الترابط القائم بين كلفة الطاقة ومستوى الأسعار العام، ويعيد طرح أثر تقلبات سوق الطاقة على معيش الأسر المغربية.
وعلى المستوى الترابي، لم تكن هذه الزيادات متجانسة، إذ سجلت بعض المدن ارتفاعات أكثر وضوحاً، كما هو الحال في كلميم والحسيمة، بينما عرفت مدن أخرى مثل أكادير وطنجة والدار البيضاء زيادات بوتيرة أقل، في مشهد يعكس تفاوتات مجالية في تأثر الأسواق المحلية بعوامل العرض والطلب.
وفي قراءة أعمق للمنحى التضخمي، تظهر مؤشرات التضخم الأساسي—الذي يستثني المواد الأكثر تقلباً—تطوراً مزدوجاً، إذ ارتفع بشكل طفيف على أساس شهري، مقابل تراجع على أساس سنوي، وهو ما يعكس حالة من التوازن الهش: تضخم مستمر، لكنه لم يبلغ بعد مستويات الانفلات، مع بقاء العوامل الهيكلية تحت السيطرة نسبياً.
وبين أرقام توحي بالاعتدال في ظاهرها، وضغوط يومية تلمسها الأسر في تفاصيل إنفاقها، يبرز واقع اقتصادي يتسم بتوازن دقيق بين استقرار نسبي ومخاطر كامنة، حيث تتحول الزيادات المحدودة إلى عبء ملموس عندما تتراكم، خاصة في ظل ارتباطها الوثيق بكلفة الغذاء والطاقة، وهما ركيزتان أساسيتان في ميزانية الأسر المغربية.





