متلازمة الدونكيشوت.. معارك سياسية وهمية وتحديات حقيقية خارج الخطابات

بشرى عطوشي
رأي_ في رواية دون كيخوتي للكاتب ميغيل دي ثيربانتس، لم يكن البطل مجرد رجل فقد صوابه، بل شخصية تبحث عن معنى في عالم فقد توازنه.
حين عجز عن إيجاد معركة حقيقية، اخترع معاركه الخاصة، ورأى في طواحين الهواء أعداء يجب إسقاطهم، هذه الصورة الأدبية لم تعد مجرد استعارة، بل تحولت اليوم إلى عدسة تفسيرية لظاهرة اجتماعية وسياسية تتسلل بهدوء إلى مجتمعات حديثة، من بينها المغرب.
في السياق المغربي، لم تعد “الدونكيشوتية” حالة فردية معزولة، بل نمط تفكير يتوزع على أطياف سياسية وإيديولوجية متعددة، كل منها ينسج روايته الخاصة خارج إطار السردية الوطنية الجامعة.
عندما تتراجع قدرة الخطاب الرسمي على الإقناع أو يعجز عن تفسير التحولات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، ينشأ فراغ في الوعي العام. هذا الفراغ لا يبقى طويلاً؛ إذ سرعان ما تملؤه سرديات بديلة، غالباً ما تكون أكثر بساطة، أكثر حدّة، وأكثر قابلية للانتشار.
داخل هذا الفراغ، تبدأ بعض التيارات—يسارية كانت أو محافظة أو ذات مرجعية دينية أو حتى حركات احتجاجية غير مؤطرة—في إعادة تشكيل الواقع وفق تصوراتها الخاصة.
لا يتعلق الأمر هنا باختلاف مشروع أو تعدد رؤى، وهو أمر صحي في أي مجتمع، بل بتحول هذا الاختلاف إلى “بحث قسري عن عدو”.
في هذه اللحظة، لا يعود الخصم السياسي منافساً في الأفكار، بل يتحول إلى تهديد وجودي، وتصبح الدولة نفسها—أو مؤسساتها أو اختياراتها—في بعض الخطابات عدواً يجب مقاومته.
وسائل التواصل الاجتماعي سرعت هذا التحول بشكل غير مسبوق. لم يعد المواطن ينتظر تحليلاً مؤسسياً أو تقريراً موثقاً، بل أصبح يتلقى تدفقاً مستمراً من المعلومات المختلطة: صور، مقاطع، آراء، إشاعات، وتأويلات.
هذا الفيض لا ينتج معرفة بقدر ما يولد إحساساً دائماً بالتهديد، ومع غياب مرجعية تفسيرية متماسكة، يجد البعض أنفسهم مدفوعين نحو تبني روايات تفسر كل شيء عبر “عدو واضح”، حتى لو كان هذا العدو مبنياً على مبالغة أو انتقاء أو حتى خيال.
في هذا السياق، تظهر “الدونكيشوتية السياسية” كآلية دفاع جماعي: البحث عن معركة يمنح الإحساس بالمعنى، واختراع خصم يمنح الإحساس بالهوية.
بعض الخطابات تصور الإصلاحات الاقتصادية كمؤامرة، وأخرى ترى في كل تحرك دبلوماسي تنازلاً، وثالثة تفسر كل أزمة اجتماعية كدليل على انهيار شامل.
القاسم المشترك ليس الموقف، بل المنهج: تبسيط مفرط لواقع معقد، وإعادة إنتاجه في قالب صراعي حاد.
النتيجة لا تقف عند حدود الخطاب، بل تمتد إلى بنية النقاش العمومي، يتحول الفضاء العام إلى ساحة استقطاب، حيث تتراجع النقاشات المبنية على المعطيات لصالح السجالات العاطفية. الأخطر من ذلك أن الانشغال بمعارك رمزية يستهلك طاقة المجتمع، ويُبعد الانتباه عن التحديات الفعلية: إصلاح التعليم، تحسين الخدمات، تقليص الفوارق، وتدبير التحولات الاقتصادية.
المفارقة أن هذا السلوك لا يعكس قوة سياسية بقدر ما يعكس أزمة معنى. فالتطرف في المواقف لا يبدأ دائماً بالكراهية، بل كثيراً ما ينطلق من الشعور بالفراغ، من غياب تفسير مقنع لما يحدث، ومن فقدان الثقة في السرديات الرسمية أو البديلة على حد سواء. في هذه الحالة، تصبح أي رواية حاسمة—حتى لو كانت سطحية—أكثر جاذبية من تعقيد الواقع.
الدولة، من جهتها، لا تواجه هذا التحدي بالأدوات الأمنية فقط، بل بقدرتها على إنتاج سردية واضحة، متماسكة، وقابلة للفهم. السردية هنا ليست ترفاً سياسياً، بل عنصر من عناصر الاستقرار. حين يعرف المواطن أين يقف بلده، وما هي خياراته، ولماذا تُتخذ قرارات معينة، تقل الحاجة إلى البحث عن “طواحين هواء” جديدة.
في النهاية، لا يكمن الخطر في وجود اختلافات سياسية داخل المغرب، بل في تحول هذه الاختلافات إلى معارك وهمية تستنزف النقاش العمومي. بين دونكيشوت الأمس وبعض خطابات اليوم، المسافة ليست بعيدة كما قد نتصور، الفارق الوحيد أن الفارس لم يعد فرداً يهاجم طواحين، بل قد يصبح مجتمعاً بأكمله ينشغل بمحاربة أوهام، بينما تمر التحديات الحقيقية بصمت.





