ستة أشهر حبسا نافذاً لبرلماني استقلالي في قضية رفعتها برلمانية سابقة

حسين العياشي
أعادت محكمة الاستئناف بالحسيمة، اليوم الخميس، رسم ملامح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل المشهد الحزبي، بعدما قررت تأييد الحكم الابتدائي الصادر في حق نور الدين مضيان، القيادي البارز في حزب الاستقلال، مثبتة بذلك عقوبة الحبس النافذ لمدة ستة أشهر، في قضية تحولت، منذ بدايتها، إلى محور نقاش سياسي وأخلاقي واسع.
ولم يكن هذا الحكم مجرد محطة قضائية عابرة، بل جاء تتويجاً لمسار بدأ في مارس 2024، حين وضعت البرلمانية السابقة عن الحزب ذاته، رفيعة المنصوري، شكاية رسمية حملت اتهامات ثقيلة وغير مألوفة في هذا المستوى من الصراع السياسي. منذ تلك اللحظة، خرج الملف من دائرته الضيقة، ليصبح مادة للنقاش العام، بالنظر إلى طبيعة التهم وحدّة مضمونها، وما تضمنته من معطيات اعتُبرت حساسة.
القضية، في جوهرها، لم تكن مجرد خلاف عابر بين فاعلين سياسيين، بل تمحورت حول ما عُرف إعلامياً بـ”ملف التسجيل الصوتي”، الذي انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وأثار ردود فعل متباينة، بين من اعتبره دليلاً صادماً يستوجب المساءلة، ومن رأى فيه وجهاً آخر لصراعات داخلية تتجاوز ظاهرها القانوني. غير أن القضاء، وهو ينظر في الملف، تعامل مع الوقائع من زاوية قانونية صرفة، مستنداً إلى ما توفر لديه من معطيات وأدلة.
التهم التي واجهها مضيان لم تكن خفيفة الوطأة، إذ شملت التشهير بالحياة الخاصة، والابتزاز، والسب والقذف، إلى جانب بث وترويج ادعاءات كاذبة من شأنها المساس بسمعة المشتكية. كما تضمن الملف معطيات تتعلق بعبارات وُصفت بأنها حاطة من الكرامة ومهينة، خاصة في سياق يرتبط بامرأة، وهو ما أضفى على القضية بعداً إضافياً يتجاوز القانوني إلى القيمي والمجتمعي.
داخل كواليس حزب الاستقلال، لم يمر هذا الملف دون ارتدادات. فقد فتح نقاشاً غير مسبوق حول أخلاقيات العمل الحزبي، وحدود المسؤولية التي يفترض أن يتحملها القياديون، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسلوكيات تمس الحياة الخاصة أو تمس بصورة الفاعل السياسي أمام الرأي العام. كما أعاد طرح سؤال العلاقة بين السياسة والأخلاق، في لحظة تتزايد فيها مطالب تخليق الحياة العامة.
ومع تأييد الحكم استئنافياً، يكون القضاء قد قال كلمته في هذا الشق من الملف، واضعاً حداً لمسار قضائي ظل مفتوحاً على احتمالات متعددة. غير أن تداعيات هذا القرار لا تبدو مرشحة للتوقف عند حدود الحكم، بل تمتد إلى ما هو أبعد، حيث يظل تأثيره على المسار السياسي لنور الدين مضيان، وعلى توازنات داخل الحزب، موضوعاً مفتوحاً للنقاش والتأويل.
في نهاية المطاف، تكشف هذه القضية عن هشاشة الحدود الفاصلة بين الصراع السياسي والحياة الخاصة، وتعيد التذكير بأن كلفة الانزلاق في هذا المجال قد تكون باهظة، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل أيضاً على مستوى الثقة في الفعل السياسي برمته.





