إلى أي مدى يمكن لمشروع نفق جبل طارق تغيير خريطة النقل بين إفريقيا وأوروبا؟

أميمة حدري
تتجه الأنظار مجددا إلى مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا عبر نفق تحت مضيق جبل طارق، في ظل معطيات رسمية حديثة تؤكد قابليته للتنفيذ من الناحية التقنية والهندسية، مع إمكانية الشروع في تنزيله ابتداء من سنة 2027، وهو ما يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذا المشروع على إحداث تحول نوعي في خريطة النقل بين إفريقيا وأوروبا.
المعطيات المتوفرة، المستندة إلى دراسات جدوى تقنية واقتصادية أنجزتها جهات مختصة، تشير إلى أن المشروع يقوم على إحداث ربط سككي بطول يقارب 42 كيلومترا، من بينها حوالي 27,7 كيلومترا تحت سطح البحر، ليربط بين جنوب إسبانيا وشمال المغرب عبر ثلاثة أنفاق، اثنان مخصصان لحركة القطارات والثالث لأغراض السلامة والتدخل، في تصور يعكس توجها نحو نقل جماعي عالي الكفاءة بدل الاعتماد على النقل الفردي.
ويرتقب، في حال تنفيذ المشروع وفق التصور الحالي، أن يشكل هذا النفق تحولا بنيويا في أنماط التنقل بين القارتين، من خلال تقليص الزمن اللوجستي لعبور الأشخاص والبضائع، وتعزيز سلاسل الإمداد بين الأسواق الأوروبية والإفريقية، خاصة في ظل تنامي المبادلات التجارية بين الضفتين.
كما يتوقع أن يساهم في تخفيف الضغط على النقل البحري الذي يظل، إلى حدود الساعة، الوسيلة الأساسية لعبور المضيق، بما يحمله ذلك من رهانات مرتبطة بالكلفة والظروف المناخية والقدرة الاستيعابية.
وفي السياق ذاته، ينظر إلى المشروع باعتباره رافعة استراتيجية لتعزيز موقع المغرب كمنصة لوجستية إقليمية تربط بين إفريقيا وأوروبا، في انسجام مع التوجهات الكبرى المرتبطة بتطوير البنيات التحتية للنقل واللوجستيك، وتكريس اندماج أكبر في سلاسل القيمة العالمية. كما يمكن أن يمنح دفعة قوية للتكامل الاقتصادي بين الضفتين، عبر تسهيل تدفق الاستثمارات وتوسيع مجالات التعاون الصناعي والتجاري.
غير أن هذا الطموح يظل رهينا بجملة من التحديات التقنية والمالية، إذ تشير التقديرات إلى أن كلفة المشروع قد تتراوح بين 7,5 و10 مليارات دولار، ما يفرض تعبئة موارد مالية ضخمة وشراكات متعددة الأطراف لضمان تنزيله. كما تظل الإكراهات الجيولوجية المرتبطة بطبيعة قاع مضيق جبل طارق، خاصة في منطقة “عتبة كامارينال”، من بين أبرز التحديات التي قد تعقد عملية الحفر وتفرض حلولاً هندسية متقدمة.
وبالرغم من هذه التحديات، تؤكد الجهات المشرفة على الدراسات أن التقدم الحاصل في تكنولوجيا الأنفاق والهندسة المدنية يجعل المشروع ممكنا من الناحية العملية، وهو ما يعزز فرضية انتقاله من مرحلة الدراسات إلى مرحلة التنفيذ خلال السنوات القليلة المقبلة، في حال توافر الشروط المالية والسياسية اللازمة.





