إصلاحات قطاع الصحة.. بين خطاب الإنجاز وتساؤلات الفعالية على الأرض

أميمة حدري
يعود ملف إصلاح قطاع الصحة إلى واجهة النقاش العمومي، في ظل عرض الحكومة لحصيلة تعتبرها “مهمة” ومرتكزة على أرقام ومؤشرات تعكس، وفق خطابها الرسمي، “تحولا تدريجيا في بنية المنظومة الصحية”. غير أن هذا الطرح، رغم ما يتضمنه من معطيات كمية، يواجه في المقابل تساؤلات متزايدة حول مدى انعكاس هذه الإصلاحات على جودة الخدمات الصحية وعلى واقع الولوج الفعلي للمواطنين إلى العلاج.
وفي هذا السياق، أكد الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، والوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان، والناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أن القطاع عرف تعبئة مالية غير مسبوقة، مكنت من تأهيل مئات المراكز الصحية وإطلاق مشاريع استشفائية جديدة، إلى جانب تعزيز العرض الصحي عبر بناء مستشفيات جهوية وإقليمية وتوسيع الطاقة الاستيعابية للأسرة. مشيرا إلى تحسن كثافة مهنيي الصحة، التي انتقلت من 17 إلى 25 مهنيا لكل 10 آلاف نسمة خلال سنة 2025، مع توقع بلوغ 30 مهنيا خلال سنة 2026، في أفق الوصول إلى 45 مهنيا بحلول سنة 2030.
وتستند الحكومة في دفاعها عن هذه الحصيلة إلى ما تصفه بـ “إصلاحات هيكلية”، شملت أيضا الرفع من عدد المقاعد البيداغوجية في كليات الطب والمعاهد العليا للمهن التمريضية، إلى جانب اعتماد مقاربة رقمنة الخدمات الصحية وتعزيز السياسة الدوائية، فضلا عن تنزيل اتفاقات الحوار الاجتماعي التي تهم تحسين أوضاع الشغيلة الصحية.
غير أن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، تظل في نظر متابعين غير كافية للحسم في تقييم فعالية الإصلاح، خاصة في ظل استمرار شكاوى المواطنين من صعوبات الولوج إلى العلاج، وطول مواعيد الفحوصات، ونقص الموارد البشرية في عدد من المناطق، خصوصا بالعالم القروي والمناطق النائية. كما يطرح سؤال التوزيع المجالي للأطر الصحية نفسه بإلحاح، في ظل تمركز عدد مهم من الأطباء والتجهيزات في المدن الكبرى.
ويؤكد خبراء في السياسات الصحية أن نجاح أي إصلاح لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المعلنة، بل بمدى قدرتها على تحسين تجربة المريض وضمان استمرارية الخدمات وجودتها، وهو ما يقتضي، بحسبهم، معالجة اختلالات الحكامة وتعزيز آليات التتبع والتقييم، إلى جانب تحقيق العدالة المجالية في توزيع الموارد.
كما تثير وتيرة تنزيل المشاريع المعلنة بدورها تساؤلات، في ظل تفاوت ملحوظ بين ما يتم الإعلان عنه وما يتحقق فعليا على أرض الواقع، الأمر الذي يضع تحديا إضافيا أمام الحكومة يتعلق بضمان نجاعة التنفيذ وتسريع وتيرة الإنجاز، خاصة في ظل ضغط الطلب المتزايد على الخدمات الصحية.
وفي مقابل خطاب حكومي يركز على التقدم المحقق، يستمر النقاش حول مدى قدرة هذه الإصلاحات على إحداث تحول نوعي في المنظومة الصحية، بما يتجاوز منطق الأرقام إلى تحسين ملموس في جودة الخدمات، وهو ما يجعل من تقييم المرحلة الحالية رهينا بما ستكشف عنه المؤشرات الميدانية خلال السنوات المقبلة، في ظل رهان كبير على استعادة ثقة المواطنين في المرفق الصحي العمومي.





