الطبقة المتوسطة.. الخاسر الأكبر في اختلالات الحصيلة الحكومية

حسين العياشي

يرصد تقرير تقييمي صادر عن مرصد العمل الحكومي ملامح تجربة حكومية تُقاس بوقعها لا بوعودها، واضعاً حصيلة الولاية 2021–2026 تحت مجهر قراءة نقدية دقيقة أشرف عليها كل من محمد جدري وعلي الغنبوري، قراءة لا تكتفي بجرد الأرقام والبرامج، بل تنفذ إلى المسافة الخفية بين ما أُعلن وما عاشه المواطن فعلاً في تفاصيل يومه.

ومن هذه الزاوية، يتغير منطق التقييم ذاته؛ فلا يعود السؤال محصوراً في حجم الأوراش المفتوحة أو عدد القوانين المصادق عليها، بل ينتقل إلى سؤال أكثر حساسية، لماذا لم يتحول هذا الجهد إلى إحساس عام بالتحسن؟ ولماذا ظل أثر السياسات، رغم اتساعها، محدود الصدى في حياة فئات واسعة من المغاربة؟

في قلب هذا التشخيص، تتقدم أزمة التشغيل كأكثر العناوين إلحاحاً وإحراجاً؛ الوعد بإحداث مليون منصب شغل، الذي شكل في بداية الولاية تعاقداً سياسياً واضحاً، اصطدم بواقع اقتصادي لم يسعف في تحويل النمو إلى فرص عمل كافية. فبدل أن تتراجع البطالة، ازدادت حدتها، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، كاشفة عن خلل بنيوي في نموذج النمو نفسه، حيث يظل الاقتصاد عاجزاً عن إنتاج دينامية تشغيلية تستوعب الطلب الاجتماعي المتزايد على العمل.

وإذا كان التشغيل يعكس تعثّر الأفق، فإن القدرة الشرائية تُجسّد ضغط الواقع اليومي؛ فقد عاشت الأسر المغربية على وقع موجة غلاء غير مسبوقة، خصوصاً في أسعار المواد الغذائية، ورغم أن مؤشرات التضخم عرفت لاحقاً بعض التراجع، إلا أن الأثر التراكمي ظل حاضراً، متغلغلاً في تفاصيل المعيشة، ومُعمّقاً شعوراً عاماً بأن الأرقام الرسمية لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يحدث داخل البيوت.

ولا يختلف حال ورشي الصحة والتعليم كثيراً عن هذا السياق؛ فبينما أعلنت الحكومة عن إصلاحات هيكلية كبرى، ظل المواطن يواجه يومياً اختلالات ملموسة: خصاص في الموارد البشرية، بطء في الولوج إلى العلاج، تفاوت في جودة الخدمات، واستمرار أعطاب المدرسة العمومية. وكأن الإصلاح يسير بسرعة النصوص، بينما يتأخر في بلوغ مستوى الخدمة التي يستشعرها المواطن ويثق فيها.

غير أن التقرير لا يكتفي برصد النتائج، بل يحاول تفكيك أسبابها، رابطاً هذا البطء باستمرار مظاهر الريع وضعف الأثر الفعلي لمحاربة الفساد. فهذه الظواهر، التي تُكلّف الاقتصاد الوطني مليارات الدراهم، لا تُثقل فقط كاهل المالية العمومية، بل تُفرغ السياسات من نجاعتها، وتُضعف ثقة المواطن في جدوى الإصلاح. ويتجلى ذلك بوضوح في قطاعات حساسة، مثل المحروقات والدعم، حيث ظل التغيير محدود الانعكاس على الأسعار وعلى توازن السوق.

وفي خضم هذه التحولات، تبدو الطبقة المتوسطة وكأنها تدفع الكلفة الأكبر. فهي ليست ضمن الفئات الأكثر هشاشة التي تستفيد من برامج الدعم المباشر، ولا ضمن الفئات الميسورة القادرة على امتصاص الصدمات، ما جعلها عالقة في منطقة رمادية تتآكل فيها قدرتها على الحفاظ على مستوى عيش مستقر، رغم بعض التحسن النسبي في الدخل.

أما على المستوى الترابي، فيستمر التفاوت كأحد أبرز ملامح المشهد، حيث تتركز الاستثمارات والثروة في مجالات محدودة، مقابل استمرار هشاشة مناطق أخرى، في مؤشر على أن السياسات العمومية لم تنجح بعد في تحقيق توازن مجالي فعلي يعيد توزيع فرص التنمية بشكل أكثر عدلاً.

في المحصلة، يكشف التقرير عن مفارقة تكاد تختزل التجربة الحكومية برمتها: أوراش كبرى تتقدم، وإصلاحات تُعلن، وأرقام تُسجل، لكن الأثر الاجتماعي يسير بخطى أبطأ بكثير. وبين ما تنجزه الدولة وما يشعر به المواطن، تتسع فجوة صامتة، تعيد طرح السؤال الجوهري الذي يختبر معنى السياسات العمومية في نهاية المطاف: هل يكفي أن تُبنى المشاريع، أم أن القيمة الحقيقية تكمن في أن تصل ثمارها إلى الناس، في الوقت الذي يحتاجونها فيه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى