السردين يغادر موائد الفقراء… حين يتحول “سمك الشعب” إلى سلعة مرهقة للجيوب

مديحة مهادنة : صحافية متدربة
لم يعد السردين، الذي ظل لسنوات طويلة عنواناً للغذاء الشعبي وسنداً أساسياً لمائدة الأسر المغربية محدودة الدخل، ذلك المنتج المتاح بأسعار معقولة. فقد شهدت أسعاره في الآونة الأخيرة ارتفاعاً لافتاً داخل الأسواق الوطنية، حيث لامس سقف 30 درهماً للكيلوغرام، في مشهد يثير الكثير من التساؤلات حول واقع سلاسل التزويد والرقابة، وحدود تدخل الجهات المعنية لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
ويُرجع مهنيون هذا الارتفاع إلى تراجع العرض في الأسواق، نتيجة ارتفاع كلفة المحروقات وتردد عدد من قوارب الصيد في الإبحار، تخوفاً من ضعف المصطادات وعدم ضمان تغطية المصاريف التشغيلية. غير أن هذه التبريرات، رغم وجاهتها الظاهرية، لا تبدد قلق المستهلكين الذين يجدون أنفسهم مجدداً في مواجهة موجة غلاء جديدة تمس مادة لطالما اعتُبرت من أبسط مقومات الأمن الغذائي.
اللافت في هذا الوضع أن السردين، الذي يوصف شعبياً بـ”سمك الفقراء”، أصبح تدريجياً خارج متناول الفئات الهشة، في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية بفعل ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية. وهو ما يعكس اختلالات أعمق في منظومة التسويق والتوزيع، حيث تتسع الفجوة بين ثمن البيع في الموانئ وثمن العرض في الأسواق، دون وضوح كافٍ في آليات المراقبة أو ضبط هوامش الربح.
كما يطرح هذا الارتفاع المتكرر إشكالاً بنيوياً يتعلق بضعف استقرار الأسعار في قطاع الصيد البحري، رغم الإمكانات البحرية الكبيرة التي يتوفر عليها المغرب. فالمواطن لا يفهم كيف تتحول وفرة الموارد إلى ندرة في الأسواق، ويقف اليوم عاجزا أمام تقلبات الأسعار دون وجود آليات فعالة للتدخل أو التخفيف من حدتها.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في معادلة معقدة تتداخل فيها كلفة الإنتاج، وتقلبات السوق، وضعف التنظيم، بينما تتعالى الأصوات المطالبة بتشديد المراقبة وتعزيز الشفافية داخل سلاسل التوزيع، والعمل على ضمان توازن حقيقي بين مصلحة المهنيين وحق المواطنين في غذاء متاح بأسعار معقولة.
إن استمرار ارتفاع أسعار السردين ليس مجرد مسألة ظرفية مرتبطة بعامل تقني أو موسمي، بل مؤشر على حاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لسياسات ضبط السوق، حتى لا يتحول “سمك الشعب” إلى رمز جديد لاختلال القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين دخل المواطن وكلفة معيشته





