ضعف تحويل الأوراش إلى رصيد ثقة يطرح إشكالية الأثر السياسي للإصلاحات الحكومية

أميمة حدري
تناول تقرير حديث لمرصد العمل الحكومي مجموعة من الخلاصات المرتبطة بتقييم الحصيلة الحكومية خلال الفترة الأخيرة، مسجلا أن أحد أبرز الإشكالات البارزة يتمثل في ضعف تحويل حجم الأوراش والإصلاحات التي باشرتها الحكومة إلى رصيد ملموس من الثقة السياسية والاجتماعية، رغم اتساع دائرة التدخل العمومي في مجالات متعددة.
وأورد التقرير أن الحكومة راكمت خلال هذه المرحلة عددا مهما من الأوراش الكبرى التي همت البنيات التحتية، وبرامج الحماية الاجتماعية، وإصلاح قطاعات حيوية، إضافة إلى تحفيز الاستثمار وتوسيع نطاق السياسات العمومية، غير أن هذا التراكم الكمي في المشاريع لم يواكبه بنفس الوتيرة تحول نوعي في مستوى الإحساس المجتمعي بالتحسن، حيث ظل الأثر المدرك اجتماعيا دون مستوى حجم المجهود المبذول مؤسساتيا.
وسجل المصدر ذاته أن هذه المفارقة تعكس فجوة قائمة بين منطق الإنجاز التقني والإداري وبين منطق الإدراك الاجتماعي والسياسي للنتائج، موضحا أن جزءا من هذه الفجوة يرتبط بطبيعة الإصلاحات ذات الطابع الهيكلي التي تحتاج إلى آجال زمنية طويلة قبل أن تظهر آثارها بشكل مباشر وملموس على الحياة اليومية للمواطنين.
كما ربط التقرير هذا الوضع بالسياق الاقتصادي والاجتماعي العام الذي طبع الفترة الأخيرة، والذي اتسم بارتفاع الضغوط المعيشية وتزايد النقاش حول القدرة الشرائية وغلاء الأسعار، وهو ما جعل المواطن يعيد ترتيب أولوياته في تقييم الأداء العمومي، بالتركيز أساسا على الأثر المباشر للسياسات العمومية على معيشه اليومي، بدل الاكتفاء بحجم البرامج أو سقف الطموحات المعلنة.
وفي السياق نفسه، أشار المرصد إلى أن الأثر السياسي والاجتماعي للإصلاحات ظل محدودا مقارنة بحجم الأوراش التي تم إطلاقها، الأمر الذي يطرح، بحسبه، إشكالية تتعلق بمدى قدرة السياسات العمومية على التحول من منجزات تقنية ومؤسساتية إلى رصيد ثقة مستدام داخل المجتمع، قادر على تعزيز الإحساس العام بالتحسن وتثبيت شرعية الإنجاز.
ولفت التقرير إلى أن من بين العوامل التي ساهمت في تعميق هذه الفجوة ضعف التواصل العمومي، وتفاوت وتيرة تفاعل السياسات مع بعض الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب استمرار ضغط الظرفية المعيشية، وهو ما جعل جزءا من الرأي العام لا يواكب بالقدر الكافي حجم التحولات التي تعرفها بعض القطاعات.
كما توقف المصدر ذاته عند إشكال تضارب بعض الرسائل والتصريحات، وما يترتب عنه من إرباك في إدراك السياسات العمومية، مؤكدا أن غياب خطاب حكومي موحد ومتماسك يحد من قدرة الإنجاز على التحول إلى ثقة مجتمعية راسخة، ويضعف منسوب التفاعل الإيجابي مع الأوراش المعلنة.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن تجاوز هذه الإشكالية يقتضي إعادة النظر في آليات تدبير العلاقة بين القرار العمومي والمجتمع، من خلال تعزيز حس الاستشراف في تدبير الأزمات، وتسريع الأثر الاجتماعي لبعض الإصلاحات، وربط السياسات العمومية بشكل أوضح بالحياة اليومية للمواطنين، بما يسمح بتحويل الأوراش الكبرى من مجرد مشاريع استراتيجية إلى نتائج محسوسة تعزز الثقة وتدعم الأثر السياسي والاجتماعي للإنجاز الحكومي.





