التجارة الإلكترونية في المغرب… احتيال بالتقسيط

بشرى عطوشي
تحليل _ لم تعد مسألة الطلبيات عبر الأنترنيت في المغرب مجرد إشكالية خدماتية عابرة، بل باتت نموذجاً صارخاً لاستغلال ممنهج للمستهلك، يُمارَس في وضح النهار، خلف واجهات رقمية أنيقة وعروض تغري العين قبل أن تفرغ الجيب.
الحقيقة التي يتهرب منها الجميع هي أن شريحة واسعة من المتاجر الإلكترونية المغربية، خاصة تلك العاملة عبر منصات التواصل الاجتماعي، لا تبيع منتجات، بل تبيع أوهاماً. صورة محترفة، وصف مُزوَّق، وسعر مُغرٍ، ثم حين يصل الطرد تكتشف أنك دفعت ثمن الصورة لا ثمن السلعة. والأدهى أن هذا لا يُعدّ جريمة في نظر كثير من هؤلاء التجار، بل يُعدّ ذكاءً تجارياً.
ما يجري ليس تقصيراً عارضاً ولا أخطاء فردية، بل نظام قائم بذاته، يرتكز على ثلاثة أعمدة: غياب الرقابة، وضعف الوعي القانوني لدى المستهلك، وانعدام التبعات الحقيقية على المخالف. في هذا المناخ، يستطيع التاجر المحتال أن يعمل سنوات دون أن يطاله أي محاسبة، فيما يبقى الضحية وحيداً أمام خسارته، يتلوى بين شروط إرجاع مصمَّمة خصيصاً لإحباطه.
“حق الاسترجاع” في نسخته المغربية كوميديا سوداء، مهلة ضيقة، منتج يجب أن يعود كما جاء، مصاريف إرجاع على حساب الزبون، ورفض تعسفي لا يحتاج إلى تبرير.
عملياً، حق الاسترجاع هذا لا يُمارَس إلا من يملك الوقت، والعلم، والإصرار، وهو ما لا تملكه الغالبية العظمى من الضحايا.
والأشد إيلاماً أن منظومة الحماية القانونية موجودة على الورق، لكنها تكاد تكون غائبة على أرض الواقع. فالقانون رقم 31.08 المتعلق بتدابير حماية المستهلك يتضمن نصوصاً واضحة، إلا أن تفعيلها يظل محدوداً، والشكاوى تتراكم دون أن تُفضي في الغالب إلى نتيجة تُذكر. وكأن القانون كُتب ليُطمئن لا ليُطبَّق.
هذا الواقع يُكبّل التجارة الإلكترونية المغربية برمّتها، ويعاقب التجار الشرفاء الذين يُجهدون أنفسهم في بناء مصداقية حقيقية، بينما يزدهر المحتالون في ظل غياب الردع.
والنتيجة المنطقية أن المستهلك المغربي بدأ يصوّت بقدميه: عودة إلى الدفع عند الاستلام، عودة إلى السوق التقليدية، وعودة إلى الشك الذي لا يُفرّق بين الجيد والرديء.
السؤال الحارق اليوم ليس “كيف تنمو التجارة الالكترونية في المغرب؟”، بل “لماذا تنمو على حساب المستهلك؟”. ومتى يقرر المسؤولون أن حماية الزبون ليست ترفاً تنظيمياً، بل شرطٌ وجودي لأي اقتصاد رقمي يدّعي أنه يسير نحو الاحتراف؟
الثقة لا تُباع مع الطرد، ولا تُستعاد بحملة تسويقية، وما يُبنى على الوهم ينهار بأول اختبار حقيقي.





