المغرب بين استثمارات كبرى ووظائف مفقودة..ما الذي يكشفه تقرير “توسيع نطاق الأطلس” للبنك الدولي؟

بشرى عطوشي
تقرير _ في وقت يواصل فيه المغرب تقديم نفسه كنموذج إقليمي في تحديث البنية التحتية وتسريع المشاريع الاستراتيجية، يضع تقرير حديث صادر عن البنك الدولي لسنة 2026، بعنوان “توسيع نطاق الأطلس”، مفارقة صارخة على الطاولة: اقتصاد ينمو ويتوسع، لكن دون قدرة كافية على خلق وظائف رسمية، مستقرة، وذات قيمة مضافة عالية.
التقرير يرصد مساراً طويلاً من الاستثمارات العمومية والخاصة التي شملت قطاعات حيوية مثل الطرق السيارة، الموانئ، الطاقات المتجددة، والصناعة — ما ساهم في رفع جاذبية البلاد للاستثمار الأجنبي وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي. غير أن هذه الدينامية، بحسب التقرير، لم تُترجَم بالوتيرة ذاتها إلى فرص شغل حقيقية، خصوصاً لفائدة الشباب وحاملي الشهادات.
أرقام تعكس حجم الاختلال
الأرقام الواردة في التقرير ليست مجرد إحصاءات — إنها مؤشر على عمق الهوة بين النمو الاقتصادي وسوق الشغل الفعلي، فالفوظائف المطلوبة سنويا (2000_ 2024) للحفاظ على مستوى التشغيل تقدر ب215 ألف وظيفة.
الوظائف المفقودة صافيا سنويا تصل ل370 ألف وظيفة، ويصل معدل المشاركة في سوق الشغل سنة 2000 إلى 53.1 في المائة، فيما تصل نسبة المشاركة في سوق الشغل سنة 2024 إلى 43.5 في المائة، وتبقى نسبة مشاركة النساء في سنة 2000 منخفضة بمعدل 28 في المائة، إلا أنه في سنة 2024 انخفضت أيضا لتصل لمعدل 19 في المائة.
مفارقة التعليم والتشغيل
يتوقف التقرير عند واحدة من أبرز المفارقات الهيكلية: حوالي 43% من خريجي التعليم العالي يشتغلون في وظائف لا تستوعب مؤهلاتهم. هذا “الإفراط في التأهيل” لا يعكس وفرة في الكفاءات بقدر ما يكشف عن شُح فرص الشغل ذات الإنتاجية العالية، لا سيما في القطاعات الصناعية والخدمات المتقدمة.
ضعف النسيج المقاولاتي
يسلط التقرير الضوء على واقع النسيج الاقتصادي المغربي، حيث تُصنَّف 94% من الشركات ضمن خانة “الصغيرة جداً”. هذا الواقع يُقيّد القدرة على خلق فرص عمل واسعة ومستقرة، إذ تشتغل هذه الوحدات في الغالب بإنتاجية منخفضة، وتعاني صعوبات مزمنة في التمويل، والولوج إلى الأسواق، والتوسع. في المقابل، يظل عدد الشركات المتوسطة القادرة على التحول إلى فاعل اقتصادي مؤثر محدوداً للغاية.
ويذهب التقرير أبعد من التشخيص؛ إذ يشير إلى أن نموذج النمو المعتمد لا يزال قائماً بدرجة كبيرة على تراكم رأس المال — الاستثمار في البنية التحتية والمشاريع الكبرى — دون تحقيق نفس المستوى من التقدم في الإنتاجية. بمعنى أوضح: تُضخّ استثمارات ضخمة، لكن مردوديتها من حيث خلق القيمة وفرص الشغل تظل دون التطلعات.
ركائز التحول الهيكلي المطلوب
ويدعو التقرير إلى تحول عميق في نموذج التنمية، يرتكز على خمسة محاور جوهرية:
◆ تعزيز المنافسة وفتح الأسواق: السماح بدخول فاعلين جدد وكسر حالات التمركز التي تُعيق الابتكار وتحدّ من الديناميكية الاقتصادية.
◆ دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة القابلة للنمو: بدل الاكتفاء بالحفاظ على نسيج واسع من المقاولات الصغيرة جداً ذات الأثر المحدود على التشغيل.
◆ تحسين استهداف الاستثمار العمومي: توجيهه نحو القطاعات الأكثر قدرة على خلق وظائف ذات قيمة مضافة، وربطه بمؤشرات أداء واضحة تشمل التشغيل.
◆ تيسير الولوج إلى التمويل: حيث لا تزال المقاولات الإنتاجية تواجه صعوبات جوهرية في الحصول على قروض بشروط ملائمة، ما يُعرقل توسعها.
◆ إعادة توجيه المنظومة التعليمية نحو سوق الشغل: تعزيز التكوين المهني، تطوير المهارات الرقمية، وربط الجامعات بشكل أوثق بحاجيات الاقتصاد الفعلي.
من اقتصاد البنية التحتية إلى اقتصاد الوظائف
تبدو خلاصة تقرير البنك الدولي واضحة المعالم: نجح المغرب في بناء قاعدة اقتصادية صلبة من حيث البنية التحتية والاستثمارات الكبرى، غير أنه مطالب اليوم بخوض مرحلة ثانية أكثر تعقيداً وأعمق أثراً، عنوانها الكبير “اقتصاد الوظائف”.
مرحلة تستلزم إصلاحات جذرية في سوق الشغل، المنظومة التعليمية، وبيئة المنافسة — حتى يتحول النمو من أرقام على الورق إلى فرص حقيقية في حياة المواطنين، ولا سيما الشباب وحاملي الشهادات الساعين إلى الاندماج في سوق عمل فعلية وكريمة.





