ركود تجاري بعد رمضان عنوانه العريض غلاء الأسعار ..المستهلك مقهور والتاجر على حافة الإغلاق

بشرى عطوشي
تحليل _ منذ مطلع أبريل، لا تحتاج الأسواق المغربية إلى مؤشرات رسمية لتشخيص حالها؛ يكفي أن تصغي إلى التجار أنفسهم. “الحركة ضعيفة بشكل غير مفهوم” — جملة تتردد في الدار البيضاء وغيرها من المدن، وإن بدت مفاجئة للوهلة الأولى، فإنها في الحقيقة محصلة تراكمات اقتصادية وسلوكية تفجّرت دفعةً واحدة في أعقاب انتهاء شهر رمضان.
سلة أفرغها الاحتياط
في الأسواق الشعبية، حيث يُفترض أن الطلب على المواد الأساسية يبقى مستقراً بمعزل عن التقلبات، تبدو الصورة هذا العام مغايرة. بضائع طازجة تنتظر على الرفوف، وزبائن لا يملأون سلالهم كالمعتاد، بل يقتصرون على الحد الأدنى. تقلّصت السلة اليومية للأسر بصورة لافتة، في دلالة مباشرة على ضغط القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة التي لم تعد تتيح هامشاً للإنفاق الاختياري.
المطاعم الصغيرة: فراغ مفاجئ بعد موسم الانتعاش
المطاعم الصغيرة والسناكات تعيش بدورها واحدة من أعسر مراحلها. فبعد أن وفّر رمضان انتعاشاً استثنائياً في الاستهلاك الغذائي، آثرت هذه المنشآت على واقع جديد يتسم بالفراغ وتقطّع الزبائن. طاولات خاوية، ومشتريات يومية مخفّضة، وبعض الملاك باتوا يعيدون النظر في حجم عمالتهم، في مسعى للتكيّف مع طلب تراجع فجأة دون إنذار مسبق. حتى المخابز، رغم طابعها الأساسي، رصدت تراجعاً في المبيعات خارج الفترات الصباحية، كاشفاً عن تحوّل في أنماط الاستهلاك اليومي للأسر.
الحرفيون: شبه جمود في الطلب
على الضفة الأخرى من الدورة الاقتصادية، يقبع الحرفيون في وضع أشد هشاشة. النجارون والحدادون ومقدمو خدمات الإصلاح والتجهيز يواجهون شبه توقف في الطلب؛ إذ جرى تأجيل المشاريع المنزلية الصغيرة أو إلغاؤها كلياً، في حين لم تعد الأسر مهيّأة لتحمّل تكاليف خارج نطاق الضروريات. هذا الانحسار لا يعني انخفاضاً آنياً في المداخيل وحسب، بل يهدد استدامة أنشطة تعتمد جوهرياً على الطلب المتواصل.
إشارة وضع المفاتيح تحت الباب: معدات ومحلات للبيع
الأكثر دلالةً في هذا المشهد ما بات يتصاعد بوتيرة لافتة: إعلانات بيع معدات ومحلات تجارية. ثمة تجار صغار فقدوا إيمانهم باستمرارية نشاطهم في ظل تآكل الإيرادات وتصاعد التكاليف. هذه الإشارات، وإن حملت طابعاً فردياً، تعكس تصدّعاً أعمق من مجرد ركود موسمي؛ إنها تمسّ الثقة في جدوى الاستثمار التجاري نفسه.
تقاطع العوامل: ليس ظرفاً عابرا
تتشابك وراء هذا المشهد عوامل متعددة لا يمكن اختزالها في سبب واحد. يأتي في مقدّمتها تأثير “التصحيح الاستهلاكي” الذي تدخله الأسر عادةً عقب رمضان، لتعويض الإنفاق المكثّف خلاله. يُضاف إلى ذلك الضغط المستمر على القدرة الشرائية في ظل ارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق تطور الدخل، فضلاً عن تشبّع الطلب الذي يسبق العيد عادةً، مما يُفضي إلى فراغ واضح في الأسابيع التالية له. كما لا يمكن إغفال تحوّل سلوك المستهلك الذي بات أكثر تدقيقاً في المقارنة وأشد حرصاً على البديل الأرخص.
وتزيد من تعقيد المشهد بنية سلاسل التوريد ذاتها، إذ يجد التاجر نفسه محاصراً بين تكلفة شراء مرتفعة بفعل تعدد الوسطاء، وزبون متحفّظ لا يتحمّل أسعاراً إضافية. هذه المعادلة المختلّة تُغذّي الركود بدلاً من أن تُسهم في كسره.
نسيج تجاري تحت الاختبار
ما يعيشه التجار في المغرب منذ مطلع أبريل ليس أزمة مؤقتة ذات حدود واضحة، بل هو تداخل معقّد بين موسمية الاستهلاك، وضغط اقتصادي بنيوي، وتحوّلات في سلوك المستهلك، واختلالات في هياكل السوق. والنتيجة ركود أفقي يطال الجميع: بائع الخضر، وصاحب المطعم، والحرفي، والتاجر الصغير. وإن استمرت هذه الشروط خلال الأشهر المقبلة، فإن السؤال المُلحّ لن يكون عن حجم الخسائر، بل عن قدرة هذا النسيج التجاري على الصمود.





