بنور لـ”إعلام تيفي”:”لا صراع مع المحامين ندافع على الاستقلالية و نشكر وهبي لوصفنا بالأنيقين”

المهدي سابق

متابعة_ احتج عشرات الأساتذة الجامعيين بشعبة القانون، اليوم، أمام مقر البرلمان بالرباط، بالتزامن مع اجتماع لجنة العدل والتشريع، في خطوة تعكس استمرار الجدل حول مشروع تنظيم مهنة المحاماة، ولا سيما ما يتعلق بشروط ولوج أساتذة التعليم العالي إلى سلك المحاماة، وسط انقسام واضح بين توجه يدعو إلى توسيع الانفتاح على الكفاءات الأكاديمية، وآخر يتمسك بضرورة التقييد حماية لاستقلالية المهنة.

في سياق متصل، كشفت الدكتورة سعاد بنور، أستاذة التعليم العالي بشعبة القانون العام والعلوم الاقتصادية والاجتماعية، في حديثها لــ”إعلام تيفي” أن النقاش الجاري “لا يمكن عزله عن مسار مؤسساتي ممتد”، مشيرة إلى أن الملف تبلور عبر سنوات داخل الجامعة وداخل دوائر التشريع المرتبطة بالمهن القانونية، وأن ما يظهر اليوم هو امتداد لتراكمات سابقة أكثر منه نقاشا ظرفيا مرتبطا بالاحتجاجات.

احتجاج أمام البرلمان يعيد طرح سؤال الاستقلالية وحدود الولوج للمهنة

الأساتذة المحتجون رفعوا مطالب تدعو إلى تمكينهم من الولوج إلى مهنة المحاماة دون قيود إضافية، معتبرين أن الفصل الصارم بين التكوين الأكاديمي والممارسة المهنية لم يعد يعكس التحولات التي تعرفها منظومة العدالة. ويرى هؤلاء أن الجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية من شأنه تعزيز جودة التكوين القانوني داخل الجامعات، وتقوية أداء النظام القضائي بشكل عام، بما ينعكس على حماية الحقوق والحريات.

كما يؤكد المحتجون أن مطلبهم لا يندرج في إطار منافسة مهنية، بل في إطار إعادة ربط التكوين القانوني بالممارسة، بما يضمن تحسين مخرجات التعليم العالي في هذا التخصص، ويعزز قدرة الخريجين على الاندماج داخل سوق العدالة.

في المقابل، يظل النقاش مفتوحا داخل الأوساط المهنية والقانونية حول مبدأ الاستقلالية باعتباره أحد أعمدة مهنة المحاماة، حيث ينظر إلى أي توسيع غير مضبوط للولوج إلى المهنة باعتباره قد يمس توازناتها الداخلية ووظيفتها داخل منظومة العدالة، وهو ما يجعل الملف موضوع تباين مستمر بين مقاربتين: أكاديمية إصلاحية ومهنية محافظة. كما لا ينفصل هذا الجدل، وفق فاعلين في الحقل القانوني، عن نقاش أوسع يرتبط بدور الأحزاب السياسية داخل البرلمان في الترافع حول قضايا العدالة، حيث يعتبر جزء من المتتبعين أن معركة تنظيم المهن القانونية أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بأسئلة أوسع تخص السياسات العمومية والحقوق، وليس فقط التنظيم المهني الضيق.

سعاد بنور: ملفنا يتجاوز اللحظة وهو مطروح منذ سنوات ويعيد طرح علاقة الجامعة بالعدالة

وأوضحت سعاد بنور لموقع “إعلام تيفي” أن هذا النقاش لا يمكن فصله عن مسار طويل من التفاعلات المؤسساتية، معتبرة أن ما يجري اليوم هو امتداد لنقاش “ليس وليد اللحظة”، بل تشكل عبر مراحل متعددة داخل الجامعة وداخل دوائر التشريع المرتبطة بالمهن القانونية.

وأكدت بنور أن بعض الطروحات التي تتحدث عن “استفزاز” وزير العدل للأساتذة الجامعيين وجرهم إلى صراع مفتعل “غير دقيقة”، مشددة على أن الوزير عبد اللطيف وهبي “لم يستفز الأساتذة، بل عبر بلسان حالهم، ونقل واقعا يعيشه الأستاذ الجامعي داخل المنظومة”.

وأوضحت أن هذا النقاش “ليس وليد اللحظة”، بل يعود إلى سنة 2018، بناء على مسودة تعود إلى 2014 كانت تتيح للمحامين ولوج مهنة التدريس، مقابل منع الأساتذة من ولوج المحاماة إلا عبر الاستقالة، مشيرة إلى أن الأساتذة الجامعيين بادروا آنذاك إلى إعداد مذكرة والترافع بشأنها لدى الفرق البرلمانية وهيئات المحامين.

وكشفت أن مشروع سنة 2019 “لم يستجب لهذه المطالب، بل كرس مبدأ التنافي، بل وأبعد المحامي حتى عن التدريس الجامعي”، مضيفة أن هذا التحول دفع الأساتذة إلى مواصلة الترافع طيلة السنوات الماضية.

وأضافت أن موقف وزير العدل “ليس جديدا”، مبرزة أنه سبق أن عبر عن نفس القناعة داخل فضاءات جامعية، معتبرة أن دعمه لهذا التوجه “ينطلق من منطق اقتصادي يرتبط بتطوير سوق الخدمات القانونية”.

ونفت بنور بشكل قاطع أن يكون تحرك الأساتذة قد تم بناء على توجيه من وزارة العدل، مؤكدة أن “المبادرة مستقلة ومنبثقة من داخل النقابة الوطنية للتعليم العالي”، وأن استقلالية الأساتذة “لا تقل عن استقلالية مهنة المحاماة”.

وقالت إن الهدف من هذا المطلب هو “مدّ الجسور بين الجامعة ومهنة المحاماة”، بما يتيح اكتساب معرفة عملية، وتحسين تكوين الطلبة، والمساهمة في تعزيز الأمن القانوني.

وفي نفس السياق، أكدت أن هذا المطلب “ليس فئويا”، بل يندرج ضمن رؤية مجتمعية أوسع، تروم تقوية مهنة المحاماة وحماية حقوق المواطنين ودعم المقاولة، بما يساهم في الحفاظ على مناصب الشغل.

كما أبرزت أن قطاع الخدمات القانونية “يوفر حوالي 335 ألف منصب شغل قار”، معتبرة أن تطويره يمر عبر الاستفادة من الكفاءات الأكاديمية وربط التكوين بالممارسة.

وأوضحت أن الأساتذة بادروا أيضا إلى الترافع داخل البرلمان، حيث التقوا بمختلف الفرق البرلمانية، من بينها التجمع الوطني للأحرار، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والأصالة والمعاصرة، والعدالة والتنمية، والتقدم والاشتراكية، إضافة إلى الفريق الحركي، مشيرة إلى أن هذه اللقاءات عكست “تفهما متفاوتا” للمطلب، في انتظار الحسم التشريعي النهائي.

وترى بنور أن الإشكال يتجاوز مسألة الولوج المهني، ليطرح سؤالا أعمق يتعلق بدور الجامعة في إنتاج الكفاءات القانونية، ومدى قدرتها على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تنعكس مباشرة على منظومة العدالة.

وتختم بأن هذا الملف يظل مفتوحا على مستوى النقاش العمومي والتشريعي، في ظل استمرار التباين بين مقاربة إصلاحية تدعو إلى الانفتاح، وأخرى مهنية محافظة تخشى على استقلالية المهنة، ما يجعل الجدل جزءا من نقاش أوسع حول مستقبل العدالة وعلاقتها بالمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى