الغنبوري لـ “إعلام تيفي”: ارتفاع العجز التجاري يضع الاقتصاد الوطني أمام ضرورة تسريع السياسات الصناعية

أميمة حدري

سجل العجز التجاري للمغرب ارتفاعا مقلقا خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، بعدما بلغ حوالي 87,4 مليار درهم، بزيادة تناهز 24 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وفق ما أظهره تقرير المؤشرات الشهرية الصادر عن مكتب الصرف، في معطى أعاد إلى الواجهة النقاش حول هشاشة التوازنات الاقتصادية الوطنية واستمرار الارتهان الكبير للأسواق الخارجية.

ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن تفاقم العجز التجاري بات يفرض تحديات حقيقية على صناع القرار الاقتصادي، خصوصا في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الاستيراد عالميا، وهو ما قد ينعكس مستقبلا على الأسعار الداخلية والقدرة الشرائية للمواطنين، فضلا عن تأثيراته المحتملة على قيمة الدرهم والتوازنات المالية الكبرى للدولة.

وفي هذا السياق، اعتبر رئيس المركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي الغنبوري، أن تفاقم اختلال الميزان التجاري يشكل “جرس إنذار جديد” للاقتصاد الوطني، مؤكدا أن الأمر لا يتعلق فقط بأرقام تقنية مرتبطة بحركة الصادرات والواردات، بل بمؤشرات تعكس عمق التبعية الاقتصادية للخارج، سواء في ما يتعلق بالطاقة أو المواد الأساسية أو المعدات الصناعية والتكنولوجية.

وأوضح الغنبوري في تصريح لـ “إعلام تيفي” أن استمرار ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات يكشف محدودية قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق توازن تجاري مستدام، مشيرا إلى أن معدل التغطية تراجع من 62,4 في المائة إلى 58 في المائة، وهو ما يعني أن العملة الصعبة التي يضخها التصدير في الاقتصاد الوطني أصبحت أقل مقارنة بحجم الإنفاق الموجه للاستيراد، الأمر الذي يفرض ضغوطا متزايدة على احتياطي العملة الصعبة وعلى التوازن المالي الخارجي للمملكة.

وأضاف المتحدث ذاته أن الوضع يزداد تعقيدا في ظل سياق دولي مضطرب يتسم بتصاعد الحروب التجارية وتقلبات أسعار الطاقة والمواد الأولية، فضلا عن استمرار الاضطرابات الاقتصادية العالمية، وهو ما يجعل الاقتصاد الوطني أكثر عرضة للتأثر بأي تغيرات مفاجئة في الأسواق الدولية، خاصة وأن جزءا كبيرا من الحاجيات الوطنية ما يزال مرتبطا بالاستيراد.

وأكد رئيس المركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي أن جزءا مهما من الواردات يرتبط فعليا بالاستثمار وتجهيز الوحدات الصناعية وتحريك عجلة الاقتصاد، غير أن الإشكال الحقيقي، بحسب تعبيره، “يكمن في عجز المغرب إلى حدود اليوم عن بناء منظومة إنتاجية وطنية قوية قادرة على تعويض نسبة مهمة من الواردات، سواء في المجال الصناعي أو الطاقي أو التكنولوجي”، معتبرا أن “استمرار هذه التبعية للخارج يضع الاقتصاد الوطني في مواجهة دائمة مع التقلبات الدولية ويحد من قدرته على تحقيق سيادة اقتصادية فعلية”.

وشدد الغنبوري على أن معالجة هذا الاختلال تتطلب تبني سياسات اقتصادية أكثر جرأة وفعالية، ترتكز أساسا على دعم الإنتاج المحلي وتشجيع الصناعة الوطنية وتحفيز الاستثمار المنتج ورفع القدرة التنافسية للمقاولات المغربية، إلى جانب تسريع وتيرة الانتقال نحو صناعات ذات قيمة مضافة عالية تقلص من حجم الاستيراد وتعزز الصادرات.

ويعيد هذا الوضع النقاش حول محدودية النموذج الاقتصادي القائم على الاستهلاك والاستيراد، مقابل الحاجة إلى نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية وقدرة على خلق الثروة محليا، خاصة في القطاعات الصناعية والتكنولوجية والطاقية، التي أصبحت تشكل محددا أساسيا لقوة الاقتصادات وقدرتها على الصمود أمام الأزمات الدولية المتسارعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى