الداخلية تفتح ملف “الجمعيات العائلية” بجهة فاس مكناس.. وتحقيقات تطال نافذين

حسين العياشي
خبر_تسابق سلطات جهة فاس مكناس الزمن لإعادة فتح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل الجماعات الترابية، بعدما تحولت بعض الجمعيات المستفيدة من المال العام، في عدد من الأقاليم، إلى ما يشبه “دوائر مغلقة” تديرها نفس الوجوه والعائلات، وسط شبهات باستغلال الدعم العمومي لخدمة حسابات انتخابية وسياسية ضيقة.
فوفق معطيات متطابقة، وجه والي الجهة وعمال الأقاليم تعليمات مستعجلة إلى رجال السلطة، من قواد وباشوات ورؤساء دوائر، للشروع في أبحاث ميدانية واسعة تستهدف جمعيات تنشط أساساً في النقل المدرسي والخدمات الاجتماعية، وذلك بعد تنامي مؤشرات حول وجود اختلالات في طرق التسيير والاستفادة من اتفاقيات الشراكة والدعم المالي العمومي.
وتشير المعطيات الأولية التي وضعت فوق طاولة السلطات الترابية إلى هيمنة عائلات بعينها على المكاتب المسيرة لعدد من الجمعيات، حيث تتكرر نفس الأسماء في مواقع القرار، بين الرئاسة والأمانة والكتابة العامة، في مشهد يثير شكوكا متزايدة حول طبيعة هذه البنيات التي يفترض فيها خدمة الصالح العام لا التحول إلى امتداد عائلي أو انتخابي مغلق.
التحرك الجديد لم يأت من فراغ، بل جاء عقب مراسلة صادرة عن وزارة الداخلية دقت ناقوس القلق بشأن تضارب مصالح محتمل يهم منتخبين ومستشارين جماعيين، يشتبه في استفادتهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، من الدعم العمومي الموجه لهذه الجمعيات.
وتتجه الشبهات، بحسب المعطيات المتوفرة، إلى وجود منتخبين يحافظون على مواقع تأثير داخل الجمعيات المستفيدة، سواء عبر عضويتهم المباشرة أو من خلال روابط قرابة تجمعهم بمسيري تلك الهيئات، وهو ما اعتبرته سلطات الوصاية وضعاً يهدد قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص في تدبير المال العام المحلي.
ولم تقف التحركات عند حدود البحث والتقصي، بل امتدت إلى التلويح بتفعيل مسطرة العزل في حق منتخبين قد يثبت تورطهم في حالات تنازع مصالح، استناداً إلى المادة 65 من القانون التنظيمي للجماعات، وهي المادة التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة سيفاً قانونياً تلجأ إليه وزارة الداخلية في مواجهة المنتخبين المتهمين باستغلال مواقعهم لتحقيق منافع خاصة.
وفي مؤشر على حساسية المرحلة، طلبت السلطات الترابية من عدد من المجالس الجماعية تقسيم دورات ماي إلى جلستين منفصلتين، بهدف تأجيل الحسم في اتفاقيات ومنح مالية موجهة إلى جمعيات توجد حالياً تحت مجهر التحريات، في خطوة توحي بأن وزارة الداخلية لا ترغب في تمرير أي دعم قد يتحول لاحقاً إلى موضوع مساءلة أو فضيحة سياسية.
وتكتسي هذه التحركات بعداً سياسياً واضحاً، خاصة أنها تأتي أشهراً قليلة قبل الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر المقبل، حيث تسعى السلطات إلى تطويق أي استعمال محتمل للجمعيات كآلية للتأثير الانتخابي أو لبناء شبكات ولاء محلية عبر خدمات النقل المدرسي والمساعدات الاجتماعية.
ويبرز ملف النقل المدرسي، على وجه الخصوص، باعتباره أحد أكثر القطاعات هشاشة أمام الاستغلال السياسي بالعالم القروي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالأسر والتلاميذ، وما يوفره من نفوذ انتخابي داخل الجماعات القروية. ولذلك تركزت التحريات بشكل لافت على أقاليم مثل تازة وصفرو وتاونات، التي تعرف انتشاراً واسعاً للجمعيات المدبرة لهذا القطاع.
وفي العمق، تبدو الدولة وكأنها بصدد توجيه رسالة صارمة إلى المنتخبين والجمعيات معاً: زمن التساهل مع “الجمعيات العائلية” التي تعيش على المال العام وتشتغل بمنطق النفوذ المحلي يقترب من نهايته، خاصة في ظل تصاعد مطالب تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.





