من المسؤول عن فشل محاربة الفساد؟ قراءة صادمة لحليم صلاح الدين

حسين العياشي

متابعة_اعتبر حليم صلاح الدين، الباحث في القانون البرلماني، أن مسار محاربة الفساد بالمغرب خلال السنوات الأخيرة يكشف مفارقة عميقة بين قوة الخطاب الرسمي وتعدد آليات الرقابة من جهة، واستمرار الاختلالات نفسها داخل دواليب التدبير العمومي من جهة ثانية، مؤكدا أن البلاد عاشت خلال ما يقارب ثماني سنوات على وقع ثلاث محطات أساسية طبعتها التوجيهات الملكية الصارمة، والزجر القضائي، والرقابة الإدارية، غير أن الفساد، بحسب تعبيره، “استمر بنفس المنهجية تقريبا، وبالأعطاب ذاتها”.

وأوضح صلاح الدين، في تصريح خص به “إعلام تيفي”، أن أولى هذه المحطات تعود إلى بلاغ الديوان الملكي الصادر في 24 أكتوبر 2017، والمتعلق بمشروع “الحسيمة منارة المتوسط”، والذي شكل، وفق توصيفه، “لحظة مفصلية في تعاطي الدولة مع قضايا التدبير العمومي”. وأبرز أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات، الذي عرض حينها أمام الملك محمد السادس، كشف اختلالات خطيرة همت تأخر المشاريع، وضعف الحكامة، وغياب التنسيق بين المتدخلين، إضافة إلى ما وصفه بـ”تحايل بعض القطاعات الوزارية على الدولة عبر توظيف الاعتمادات المالية كوسيلة للتهرب من المسؤولية السياسية والإدارية”.

وأضاف الباحث أن الدولة تفاعلت آنذاك بمنطق غير مسبوق، من خلال تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل عملي، حيث تم إعفاء وزراء ومسؤولين سامين، مع إصدار تعليمات باتخاذ إجراءات تأديبية في حق عدد من المسؤولين الإداريين الذين ثبت تقصيرهم في أداء مهامهم. ويرى المتحدث أن تلك القرارات أعطت آنذاك انطباعا عاما بأن المغرب بصدد الانتقال نحو مرحلة جديدة عنوانها الصرامة في تدبير الشأن العام وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، لا كشعار دستوري فقط.

غير أن صلاح الدين سجل أن البلاغ الملكي الثاني، الصادر بتاريخ 11 دجنبر 2017 بشأن تقييم عمل المراكز الجهوية للاستثمار، كشف استمرار الأعطاب نفسها، وفي مقدمتها البيروقراطية وضعف النجاعة وغياب التتبع المؤسساتي، إلى جانب ضعف الاهتمام بالمقاولات الصغرى والمتوسطة. وأشار إلى أن التحريات التي باشرتها وزارة الداخلية آنذاك رصدت حالات تقصير واسعة داخل جهاز الإدارة الترابية، شملت ولاة وعمالا وكتابا عامين وباشوات وقيادا، ما أدى إلى توقيف عدد منهم وإحالتهم على المجالس التأديبية.

ورغم تلك التدخلات التي وصفها بـ”القوية”، أكد الباحث ذاته أن معطيات سنة 2025 تعكس استمرار الاختلالات البنيوية نفسها في تنزيل البرامج العمومية، مستحضرا ما أعلنته الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات خلال تقديم التقرير السنوي للمجلس أمام البرلمان، حين كشفت أن 32 برنامجا فقط من أصل 78 اتفاقية وُقعت أمام الملك بين سنتي 2008 و2020 تم استكمال تنفيذها، بنسبة لا تتجاوز 41 في المائة، بينما لم يتعد حجم الإنجاز المالي 9 في المائة من مجموع الاعتمادات المرصودة.

ويرى صلاح الدين أن هذه الأرقام “تعكس بوضوح استمرار ضعف الحكامة والالتقائية والنجاعة داخل عدد من المشاريع والسياسات العمومية الكبرى، حتى تلك التي تحظى برعاية وتتبع على أعلى مستوى في الدولة”، مضيفا أن الإشكال لم يعد مرتبطا فقط بغياب النصوص القانونية أو ضعف التقارير الرقابية، بل ببنية التدبير العمومي نفسها، وبثقافة إدارية ما تزال، بحسب قوله، “تقاوم منطق النجاعة والمساءلة”.

وشدد المتحدث على أن تعدد المتدخلين وضعف التنسيق المؤسساتي وغياب المحاسبة السياسية المستمرة عوامل تجعل من محاربة الفساد “ورشا مفتوحا لم يحقق بعد الأثر البنيوي المطلوب”، سواء على مستوى تدبير المرافق العمومية أو على مستوى ثقة المواطنين في فعالية المؤسسات الرقابية.

وختم الباحث في القانون البرلماني تصريحه بالتأكيد على أن التجربة المغربية خلال العقد الأخير أثبتت أن محاربة الفساد لا يمكن اختزالها في الإعفاءات أو العقوبات الظرفية، بل تحتاج إلى إصلاح عميق لمنظومة الحكامة، وتعزيز الشفافية، وتطوير آليات التتبع والتقييم، مع جعل المواطن في صلب مراقبة تدبير المال العام والسياسات العمومية، محذرا من أن غياب هذا التحول البنيوي سيجعل “التاريخ يعيد نفسه، وستظل التقارير تكشف الاختلالات ذاتها مهما تعددت التدخلات والإجراءات”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى